القائد الفاتح الشاب الحكيم حبيب بن مسلمة.
القائد الفاتح الشاب الحكيم حبيب بن مسلمة.
حبيب بن مسلمة أحد كبار الفاتحين كان يسمى بـ(حبيب الروم) لكثرة غزوه للروم وقد كان قائداً من وقت عمر إلى وقت معاوية وتوفي قبل أن يبلغ الخمسين عاماً (وقد اختلفوا في صحبته) له أخبار عجيبة تحتاج إلى تدبر
قال ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني 847 - حدثنا ابن مصفى، نا أبو المغيرة، عن صفوان، عن بعض المشيخة قال: كان حبيب بن مسلمة «إذا رأى في جيشه وهنًا وضعفًا فرح واستبشر بالفتح» .
هذا خبر عجيب فما الذي يُفرِح القائد بما يراه في جيشه مِن ضعفٍ ووهن !
قد نفهم المعنى إذا نظرنا في الأثر الثاني
قال ابن أبي الدنيا في [الفرج بعد الشدة] : " 18 - حدثني القاسم بن هاشم ، ثنا أبو اليمان ، ثنا صفوان بن عمرو ، عن الأشياخ ، أن حبيب بن مسلمة ، كان يستحِّب إذا لقي عدوًّا ، أو ناهض حِصنًا ، قول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، وأنه ناهَض يومًا حِصنًا فانهزم الروم ، وتحصنوا في حصنٍ آخر لهم ، أعجزه ، فقالها المسلمون فانصدع الحصن".
هل اتضح الأمر ؟
سبب فرحه بالضعف والوهن الظاهري في جيشه هو استحضار حال المسلمين في يوم حنين إذ أعجبتهم كثرتهم فكان ذلك سبباً في تأخُّر النصر وحصولِ هزيمة مبدأية أعقبها الله نصراً بعدما زال العُجب ، فإن النصر ليس مقصوداً لذاته وإنما المقصودُ تحقيق التوحيد وفاقد الشيء لا يعطيه لِذا من الرحمة ألَّا يتحقق النصر إلا على أيدي أقوام تمكَّن التوحيد من قلوبهم تماماً وإلا كان الأمر استدراجاً.
لهذا وجود بعض الضعف والوهن (الظاهري) في الجيش يرى حبيب بن مسلمة فيه منفعتين؛ منفعة اغترار العدو ، وشدة توكل الطائفة المؤمنة.
ويؤكِّدُ أن هذا المعنى في عقله رواية: (لا حول ولا قوة إلا بالله) المتضمنة للتوكل التام على الله عز وجل ، المسلم يبذل الأسباب ولكنه يعلم أنه لا يوجد سببٌ هو مؤثرٌ تام بمعنى أن الأمر يتعلق به فقط بحيث إذا توفر حصَل النصر وإذا ذهب فُقِد النصر ، بل هناك سلسلة طويلة من الأسباب لو فُقِدت حلقة منها لاختلَّ الأمر وتغيرت النتيجة، والبشر لا يملكون سوى التعامل مع بعضها وتبقى هناك عوامل لا تكون في الحسبان قد تؤثر في تعجيل الأمر أو تعطيله ومن ها هنا كان التوكل موقفًا إيمانيًا عقلانيًا (ولا يفترق الإيمان عن العقل الصحيح). فتُبذَل الأسباب وتتحرى البركة والتوفيق في الاتباع ، وهكذا كان الأوائل بخلاف من تأخر، فمنهم من ترك العمل بالأسباب يأساً واستبعاداً لآيات الله وآثار قدرته الباهرة ، ومنهم من اتكل على الأسباب التي يمكنه التعامل معها بالكلية ويحمله ذلك على اطراح النصوص وتغليب الرأي (يعني يقدِّم علمه على علم الله) حتى إذا خُذِل شعر بإحباط شديد ومنهم من يعيد دراسة التجربة ويفكر بكل خيار إلا العودة للنصوص واتباعها كما ينبغي.