كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= وهذا هو الحال في أمر أهل الرأي وأهل الحديث ومنهج أهل الرأي لا زال حاضراً بكل ما فيه غير أن مذهبهم لم يعد كلام إمام المذهب فحسب بل زادوا معه كلام الشيباني وأبي يوسف وهذان خالفا شيخهما كثيراً جداً والأحناف يجوزون الأخذ بكلامهم ولا يعدونه خروجاً عن المذهب فهم مثلاً يتفقون على مبدأ الحيل ولكن أبا يوسف يرفض الحيل في إسقاط الزكاة كما ذكر ذلك في كتاب الخراج بخلاف شيخه والمحدثون ذكروا تفضيل أبي يوسف على شيخه وكما قلت الفرز دائماً مظنة دقة قال ابن تيمية في القواعد النورانية :" ومن أصولها: أن أبا حنيفة أوسع في إيجابها من غيرها، فإنه يوجب في الخيل السائمة المشتملة على الآثار، ويوجبها في كل خارج من الأرض، ويوجبها في جميع أنواع الذهب والفضة من الحلي المباح وغيره. ويجعل الركاز المعدن وغيره، فيوجب فيه الخمس، لكنه لا يوجب ما سوى صدقة الفطر والعشر إلا على مكلف، ويجوز الاحتيال لإسقاطها" ورد عليه البخاري في صحيحه ورد عليه غيره وقال ابن هانئ: سمعته يقول: كان أبو يوسف -يعني: القاضي- من أمثلهم، كان من أكثرهم حديثًا. "مسائل ابن هانئ" (2300) وقال عبد اللَّه: قال أبي: أبو يوسف صدوق، ولكن أصحاب أبي حنيفة لا ينبغي أن يروى عنهم شيء. "العلل" رواية عبد اللَّه (5332) في العدة لأبي يعلى : قال أحمد رحمه الله في رواية أصحاب الرأي: لا يروى عنهم الحديث . وهذا محمول على أهل الرأي من المتكلمين، كالقدرية ونحوهم تعقبه في "المسودة" ص (265-266) بقوله: (قلت: ليس كذلك بل نصوصه في ذلك كثيرة، وهو ما ذكرته في المبتدع أنه نوع من الهجرة، فإنه قد صرح بتوثيق بعض من ترك الرواية عنه كأبي يوسف ونحوه، ولذلك لم يرو لهم في الأمهات كالصحيحين) . فلاحظ أن الإمام أحمد قدر استجابة أبي يوسف للسنة في عدد من القضايا ولكنه أخذ عليه بقاؤه على منهج أهل الرأي وأبو يوسف كان شيخاً لأحمد ومع ذلك أبى أن يروي عنه أي حديث في المسند فأهل الحديث الأوائل كانوا عارفين بالقوم دارسين لأحوالهم تفصيلياً إلى درجة الفرز والتقسيم وعالمين بحقيقة مقالاتهم وإلى ما تؤول إليه قال المعلمي في التنكيل مبرراً كلام بعض السلف الشديد :" كان الثوري والأوزاعي كجمهور الأئمة قبلها وفي عصرهما يريان الإرجاء ورد السنة بالرأي والقول ببعض مقالات الجهمية كل ذلك ضلالة من شأنها أن يشتد ضررها على الأمة في دينها ودنياها ورأيا صاحبكم وأتباعه مخطئين أو مصيبين جادين في نشر ذلك ولا تزال مقالاتهم تنتشر وتجر إلى ما هو شر منها حتى جرت قوما إلى القول بأن أخبار الآحاد مردودة مطلقا وآخرين إلى رد الأخبار مطلقا كما ذكره الشافعي ثم جرت إلى القول بأن النصوص الشرعية لا يحتج بها في العقائد! ثم إلى نسبه الكذب إلى أنبياء الله عز وجل وإليه سبحانه كما شرحته في قسم الاعتقاديات" ولكن بعض المتأخرين فيهم تجريدية فظيعة وتسطيح يليق بمثلهم إذا ما قورنوا بالسلف كان من الممكن تجنب هذا البحث لولا أنه متعلق بالنظر في المنهج الفقهي العام ثم الكلام في أمانة أهل الحديث وعقولهم والأبحاث التي أشبعت أهل الحديث سباً وتجديعاً ما أكثرها اليوم حتى أن بعض محققي الكتب من الأحناف علقوا على تاريخ بغداد وصاروا يضعفون الثقات الذين يروون الأخبار التي لا تعجبهم وهم كانوا يصححون روايات هؤلاء الثقات في تحقيقاتهم الأخرى فيما يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! خذ مثالاً سعيد بن عامر الضبعي قارن تعليق بشار عواد عليه في تاريخ بغداد وتعليقاته هو وشعيب والفريق الذي معه على مروياته في مسند أحمد وجامع الترمذي وصحيح ابن حبان وغيرها وهذا العبث العلمي كثير جداً غير التصرف في الكتب ويقابلهم آخرون ويسطحون البحث العلمي في الموضوع بمصادرة على المطلوب فيقررون أن الخلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث خلاف سطحي ثم ينطلقون من هذه المقدمة في بقية البحث ! قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى :" ومعلوم أن سفيان الثوري أعلم هذه الطبقة في الحديث مع تقدمه في الفقه والزهد والذين أنكروا من أهل العراق وغيرهم ما أنكروا من الرأي المحدث بالكوفة لم ينكروا ذلك على سفيان الثوري بل سفيان عندهم أمام العراق فتفضيل أحمد لمذهب مالك على مذهب سفيان تفضيل له على مذهب أهل العراق" هنا يظهر الوعي بوجود أناس من السلف أنكروا ( الرأي المحدث في الكوفة ) في زمن سفيان الثوري وأن فقه سفيان مع ما فيه من أخطاء يختلف عن هذا الرأي المحدث ولهذا أنكروا على أهل الرأي ولم ينكروا على سفيان بنفس الطريقة وكلهم عراقي وكلهم فقيه ومن يدفع كلام السلف يفتح الباب على مصراعيه للطعن في نواياهم لأن طريقتهم في التحذير كانت موغلة بالشدة.