التناقض الفرعوني المتكرر
التناقض الفرعوني المتكرر
من عجيب بلاغة القرآن أنه ينقل لك من كلام الكفار ما يظهر فيه التناقض الذاتي جلياً مع أن ظاهر كلامهم الاحتجاج ومن يمر على الكلام مروراً سريعاً قد يرى فيه شبهة ومن يتدبر يرى أن الكلام نقضه فيه !
قال تعالى عن فرعون : ( فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون )
هنا تناقض عجيب إذ جعل علة عدم اتباعه موسى وطاعته أن موسى بشر مثله ثم افتخر بعدها بأن بني إسرائيل يعبدونه فإذا كان البشر الذي مثلك لا يستحق أن يطاع في توحيد الله فكيف استحققت أن يعبدك الناس وأنت بشر مثلهم ؟!
وهذا تناقض الكفار في عموم الأزمنة فقبل زمان فرعون ذكر الله عز وجل قولهم في السورة نفسها ( وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34)
)
فعللوا كفرهم بأنهم لا يطيعون بشراً مثلهم وهم يعبدون أحجاراً دونهم !
وهذا حال أهل الزندقة في زماننا تراه يجتهد في الطعن في بعض الأخبار أو الأحكام الشرعية ليثبت أنها جاءت من بشر مثلنا وليست من الوحي وصرحاؤهم يطعنون في الوحي من أصله ويقولون هو بشري ، ثم تجدهم يحتكمون للقيم الغربية وهي جاءت من بشر مثلهم يصيبون ويخطئون ! بل عامتهم ما يحمله على الطعن في الأخبار إلا إيمان مطلق بالقيم الغربية مبدأياً !
وقد رأيت بعض الشباب يقول للناس وهو يحاورهم ( أنا أؤمن بالعلم فقط ) يقصد العلم التجريبي ثم يقول بعدها أو في مناسبة أخرى ( العلم متغير يختلف عن الدين لا يوجد في العلم يقين النظرية اليوم تنقضها نظرية غداً ) فتأمل كيف أنه يجعل العلم التجريبي المصدر الوحيد للمعرفة ويرفعه حتى على البديهيات التي يشترك بها البشر ومنهم من يشكك حتى بالتواتر ثم يعترف أن نتاج العلم التجريبي في كثير منه ظني !
وقول فرعون هذا يشبه في التناقض ما يتكرر من كثير من النسويات أنها تسب الرجال وتصفهم بألفاظ سوء فتقول مثلاً الرجال حيوانات ثم تطالب بالمساواة معهم أو تزعم أنه لا فرق بين الرجال والنساء ثم تقول أن الرجال اضطهدوا النساء على مر التاريخ ومجرد هذه الدعوى توحي بوجود فارق جوهري من الناحية الجسدية والأخلاقية بين الجنسين.