بردة البوصيري لم يزل الناس ينتقدونها ويرون الكفر فيها
بردة البوصيري لم يزل الناس ينتقدونها ويرون الكفر فيها
يزعم بعض الصوفية الغلاة أن بردة البوصيري متلقاة بالقبول، ولا يدرون أنهم بحسب أصول الفقه لا تتم لهم هذه الدعوى، فإن إجماع المقلدين ليس بحجة إذ حجية الإجماع مختصة بالمجتهدين (نص عليه الجويني)، كما أن إجماع المتأخرين لا ينضبط (نص عليه ابن تيمية وتبعه جمع غفير)، كما أن إنكار من أنكر من استغاث بغير الله كإنكار الأوائل على الجهمية واحتجاجهم بحديث (أعوذ بكلمات الله التامات) وإنكار ابن تيمية على الصرصري الاستغاثة يعتبر إنكارًا على البوصيري إذ لا فرق، وهذه قاعدة أن البيان في عين هو بيان في نظيره، لذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي جامع امرأته في نهار رمضان عن الكفارة وهو حديث لزوجته أيضًا إن كانت مطاوعة، ولولا هذا لبطلت فائدة القياس والقواعد العامة إلا أن تأتي بفارق مؤثر، ولا فرق عند الجميع.
غير أن بردة البوصيري حقًّا كانت محل نقد واستشكال حتى من محبيها.
فقد قال البوصيري: لو ناسبت قدره آياته عظمًا ... أحيى اسمه حين يدعى دارس الرمم
وقال شهاب الدين الآلوسي المتوفى عام 1270 في غرائب الاغتراب: "وأنا أقول الآن (مستعينًا بالملك المنان. قد ظفرت بنحو ما ذكرته في مختصر شرح المرزوقي للقصيدة المشار إليها) ونصه (بعد كلام في هذا البيت) قال الشارح (لم يزل الناس يعترضون هذا البيت لاقتضائه أن ليس فيما أعطيه صلى الله تعالى عليه وسلم من الآيات ما يناسب قدره لأن لو حرف امتناع لامتناع أي امتنعت الخاصة المذكورة لامتناع أن يناسب قدره العظيم شيء من آياته صلى الله تعالى عليه وسلم وهذا باطل فإن من آياته صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن العظيم وهو كلام الله تعالى والكلام صفة وشرف الصفة بشرف الموصوف ثم قال وعنه أجوبة".
فلاحظ قول المرزوقي شارح البردة (لم يزل الناس يعترضون هذا البيت) وهذا شبه نقل الاتفاق، ووجه الاعتراض أنه جعل آيات النبي صلى الله عليه وسلم غير مناسبة لقدره، ويدخل في ذلك القرآن، فكيف يكون كلام الله عز وجل غير مناسب لمقام النبي صلى الله عليه وسلم، هذا انتقاص بيِّن للقرآن الكريم.
وكان جواب الآلوسي والمرزوقي بأن المقصود القرآن الذي بين أيدينا وهو مخلوق! على مذهب الأشاعرة فيكون النبي صلى الله عليه وسلم أعظم منه!
قال الآلوسي في غرائب الاغتراب: "وحيث أن البوصيري عبر بالآيات أي المنجزات أراد بالقرآن المعنى الثاني من المعنيين. إذ الكلام النفسي ليس بمعجزة ولم يتحد به سيد الكونين. صلى الله تعالى عليه وسلم. وشرف وعظم وكرم. والظاهر أنه أشعري يقول بأن الكلام اللفظي مخلوق. ضرورة اشتماله على بداية ونهاية وسابق ومسبوق. وأنه ممن يفضل النبي عليه الصلاة والسلام على جميع المخلوقات".
وهذا كمن يغسل العذرة بالبول، فهذا القول قول الأشعرية كفري عند الحنابلة، وقد حكم أحمد على اللفظية الذين هم أهون قولًا بالزندقة، ونصَّ ابن البناء على أنه كفر ابن كلاب (صاحب هذا القول)، ونقل الرازيان الإجماع على تجهيم من يقول بهذا القول.
=