بحث في درجة تشيع عباد بن يعقوب الرواجني..
بحث في درجة تشيع عباد بن يعقوب الرواجني..
عباد بن يعقوب هذا راوٍ من رواة الحديث، له حديث واحد في صحيح البخاري متابعة ورواية واحدة في ابن ماجه وأخريان عند الترمذي، والحكم عليه لا يؤثر عمليًّا في الحكم على هذه الأخبار لأن خبر البخاري الصحيح هو مجرد متابع فيه.
وأما أخبار ابن ماجه والترمذي فضعيفة والجناية عصبت بغيره، وهكذا غالب أخباره في مسند البزار وغيره يوجد في السند من هو مضعف غيره.
وعامة الناس لا يختلفون في تشيعه غير أن النزاع في درجة هذا التشيع، فهناك من نسبه إلى شتم السلف وهذا قوي، وهناك من نسبه إلى شتم عثمان خصوصًا وشتم الزبير وطلحة واستبعاد دخولهم الجنة، وأقوى ما نسب إليه هو قوله بأن عليًّا هو من حفر البحر ومن أجراه الحسين!
وقد استغرب عدد من طلبة العلم هذا الخبر عنه، فإن هذا يشبه غلو الإمامية وما كان ذاك فاشيًا في محدثي الكوفة في ذلك الزمان، وعامة من تكلم عنه لم يذكر عنه هذا الأمر ولو ثبت عنه لكان أولى من ذكر الشتم للسلف فهذا الغلو أشد.
وعامة متقدمي الإمامية يزعمون أنه زيدي أو عامي المذهب (يعني سني) حتى جاء الطبرسي وزعم أنه إمامي منهم.
وقد قال كاظم الزيدي ردًّا على الطبرسي: "نعم! على أنّ من تتبّع روايات ومواقِف واختصاص عبّاد بن يعقوب الرواجِني لن يجدَه إلا زيديًّا، وقد أكثرَ عنه حافظُ الزيدية محمد بن منصور المُرادي رضوان الله عليه، وأيضًا أبو الفرج الأصفهانيّ صاحب المَقاتل، وقد روى عبّاد هذا أخبارًا في أفضلية زيد على أخيه الباقر، وعلى ابن أخيه جعفر بن محمد، رواها الحافظ علي بن الحسين الزيدي في المُحبط بالإمامة".
والحق أن روايات الإمامية والزيدية كلها لا يُعوَّل عليها، ولكن لننظر في الموجود في كتبنا.
قال الخطيب في الكفاية: 361 - حدثنا أبو نعيم الحافظ، في المذاكرة، قال: حدثني محمد بن المظفر، قال: سمعت قاسم بن زكريا المطرز، يقول: وردت الكوفة، فكتبت عن شيوخها كلهم غير عباد بن يعقوب، فلما فرغت ممن سواه دخلت عليه، وكان يمتحن من يسمع منه، فقال لي: من حفر البحر؟ فقلت: الله خلق البحر، فقال: هو كذلك، ولكن من حفره؟ فقلت: يذكر الشيخ، فقال: حفره علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم قال: من أجراه؟ فقلت: الله مجري الأنهار، ومنبع العيون، فقال: هو كذلك، ولكن من أجرى البحر؟ فقلت: يفيدني الشيخ، فقال: أجراه الحسين بن علي، قال: وكان عباد مكفوفا، ورأيت في داره سيفا معلقا وحجفة، فقلت: أيها الشيخ، لمن هذا السيف؟ فقال: هذا لي، أعددته لأقاتل به مع المهدي، قال: فلما فرغت من سماع ما أردت أن أسمعه منه، وعزمت على الخروج من البلد دخلت عليه فسألني كما كان يسألني، وقال: من حفر البحر؟ فقلت: حفره معاوية، وأجراه عمرو بن العاص، ثم وليت من بين يديه، وجعلت أعدو، وجعل يصيح: أدركوا الفاسق عدو الله فاقتلوه أو كما قال.
أقول: هذه الرواية الغريبة في سندها محمد بن المظفر وثقوه غير أنه يتشيع ويكتب في مثالب أهل الحديث، وقد صحح الذهبي هذه الرواية والذي يظهر أنه لا يمكن التعويل عليها في إثبات عقيدة خطيرة على رجل روى عنه عدد من الحفاظ وذلك أن هذه الرواية مذاكرة فالخطيب يقول (حدثنا أبو نعيم الحافظ مذاكرة).
وروايات المذاكرة عند المحدثين منزلتها أدنى من روايات الإملاء والتي من كتاب إذ يتخللها كثير من الوهم.
وقال الخطيب في الكفاية: «إذا أَورَد المحدِّث في المذاكرة شيئًا أراد السامعُ له أن يدوِّنه عنه؛ فينبغي له إعلامُ المحدِّث ذلك؛ ليتحرى في تأدية لفظه، وحَصْرِ معناه» .
ثم أخرَج، عن أبي موسى محمد بن المثنى؛ أنه قال: «سألتُ عبد الرحمن -يعني: ابن مهدي- عن حديث، وعنده قوم، فساقه، فذهبتُ أَكتبُه، فقال: أيَّ شيء تَصنع؟! فقلتُ: أكتبُه، فقال: دَعْهُ؛ فإنَّ في نفسي منه شيئًا، فقلتُ: قد جِئْتَ به، فقال: لو كنتَ وحدَك لحدَّثتُك به، فكيف أصنع بهؤلاء؟!» .
قال الخطيبُ بعد أن أخرجه: «كان أبو موسى من الملازمين لعبد الرحمن، فقوله: "لو كنتَ وحدك لحدَّثتك به"، أراد: أنه متى بان له أنَّ الحديث على غير ما حدَّثه به أمكنَهُ استدراكه لإصلاح غلطه، ولا يمكنه ذلك مع الغرباء الذين حضروا عنده، والله أعلم. وكان عبد الرحمن بن مهدي يحرِّج على أَصحابه أن يكتبوا عنه في المذاكرة شيئًا».
ثم ساق الخطيبُ بسنده عن بكر بن خلف قال: سمعتُ عبد الرحمن بن مهدي يقول: «حرام عليكم أن تأخذوا عنِّي في المذاكرة حديثًا؛ لأنِّي إذا ذاكَرت تساهلْتُ في الحديث».
وقال أحمد بن محمد بن سليمان التُّسْتَري: حدثني أبو زرعة الرازي؛ حدثني إبراهيم بن موسى؛ نا عبد الرحمن بن الحكم المَرْوَزي، عن نَوْفَل بن المُطهَّر قال: قال لنا عبد الله بن المبارك: «لا تَحمِلوا عني في المذاكرة شيئًا».
قال أبو زُرْعة: وقال إبراهيم: «لا تَحمِلوا عني في المذاكرة شيئًا».
قال أحمد: وقال لي أبو زُرْعة: «لا تَحمِلوا عني في المذاكرة شيئًا».
=
=
وكان عبد الله ابن الإمام أحمد لا يكتب -أحيانًا- ما يأخذه عن أبيه حال المذاكرة؛ ففي زوائده على "المسند" قال: «وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخطِّ يده... وأظنُّني قد سمعتُه منه في المذاكرة فلم أَكتبه». (مستفاد من مقدمة كتاب علل ابن أبي حاتم)
وقال الترمذي سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديث أبي كريب، عن أبي أسامة، ولم نعرفه إلا من حديث أبي كريب، عن أبي أسامة. فقلت: حدثنا غير واحد عن أبي أسامة بهذا، فجعل يتعجب ويقول: ما علمت أن أحدا حدث بهذا غير أبي كريب! قال محمد: وكنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا الحديث عن أبي أسامة في المذاكرة» .
قال ابن رجب في شرح علل الترمذي -بعد ذكره كلام الترمذي-: «وما حكاه الترمذي عن البخاري ههنا أنه قال: "كنا نرى أن أبا كريب أخذ هذا عن أبي أسامة في المذاكرة": فهو تعليل للحديث؛ فإن أبا أسامة لم يرو هذا الحديث عنه أحد من الثقات غير أبي كريب، والمذاكرة يجعل فيها تسامح بخلاف حال السماع أو الإملاء».
والكلام في هذا الباب كثير، ذكرت هذا اختصارًا، وهذه الرواية لو وجدنا لها دعامة لاعتمدناها غير أن متنها غريب والعقيدة المذكورة فيها لا تشبه عقائد الإمامية ولا الزيدية، ولو كانت هذه عقيدته لذكرها كل من تكلم عنه أو عدد منهم، فلو كان المتن على القياس لتهاونا برواية المذاكرة ولكن لما كان غريبًا جدًّا وقفنا عند كون الرواية مذاكرة.
وقال علي بن محمد المروزي: سئل صالح بن محمد، عن عباد بن يعقوب الرواجبي، فقال: كان يشتم عثمان.
قال: وسمعت صالحا يقول: سمعت عباد بن يعقوب يقول: الله أعدل من أن يدخل طلحة والزبير الجنة.
أقول: وهذا من أخبث ما نُقِل عنه في التشيع، ولكن الرواية في سندها كذاب، وأنا إلى ساعتي هذه متعجب من سكوت كثير من المتأخرين على هذه الرواية وحتى المعاصرين مع خلو كتب المتقدمين منها.
فعلي بن محمد المروزي المعروف بالحبيبي كذاب مترجم في الميزان ولسان الميزان قال عنه الحاكم كذاب، وقال الدارقطني ضعيف جدًّا.
والثابت عن عباد مطلق الطعن في السلف، ولا يُعرف ما قال تحديدًا، قال ابن عدي في الكامل: 1180- عباد بن يعقوب أبو أسيد الرواجني كوفي.
حدثَنا عنه جماعة من الشيوخ.
سمعت عبدان يذكره، عن أبي بكر بن أبي شيبة أو هناد بن أبي السري أنهما أو أحدهما فسقه ونسبه إلى أنه يشتم السلف.
وهذا لا يعني بالضرورة سب المبشرين بالجنة، فقد يكون منحرفًا عن عمرو بن العاص أو معاوية أو غيرهم، وعند السلف كل من يسبُّ صحابيًّا رافضي ولو أثنى على الشيخين.
وقد أخطأ المزي فزعم أن أبا حاتم وثقه فقال: "كوفي ثقة" وتبعه على هذا الغلط عدة، وإذا رجعت إلى الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ستجد أن أبا حاتم قال: "كوفي شيخ" وهذا الذي يتناسب مع حاله، فأبو حاتم ضنين بكلمة ثقة على من هو أجل من عباد بمراحل كبيرة، وذكر لفظ أبي حاتم على ما في المصدر الأصل الباجي في التعديل والتجريح.
بل في سؤالات أبي زرعة ما يدل على أن أبا حاتم كان يراه مريبًا في روايته للفضائل والمثالب، قال البرذعي: 486- وقال أبو حاتم: قال لي عباد بن يعقوب: قد وكلوا بي أن لا أحدث بفضائل علي، فقلت له: لولا أنك مريب، ولك آفة، كان لا يفعل هذا بك.
وهذا يؤكد ما قال ابن عدي من استنكار الأخبار عليه مع أن عامتها يكون فيها آفة غيره، وأشار البزار في مسنده إلى استنكار بعض أخباره حيث قال: "لَمْ نَسمعه إِلا مِن عباد بن يعقوب"، وكذلك فعل الطبراني في الأوسط، وحكم ابن كثير بالوضع على بعض أخباره هذه، وأيضًا تحمس ابن طاهر لمتابعة ابن حبان على الحكم عليه بالترك، وكذلك استنكر عليه بعض مفاريده ابن عبد الهادي في التنقيح، وحتى الدارقطني الذي حكم عليه بأنه صدوق أورد له أخبارًا في أطراف الغرائب والأفراد. والدارقطني وافق ابن حبان على استنكار بعض أخباره ولكنه عصب الجناية بغيره.
وذكروا أن ابن خزيمة تركه بآخره، وما ذكره الذهبي عنه أنه كان يوجب البراء من أعداء آل محمد عند كل صلاة ما وجدته إلا في كتب الذهبي ولا أدري هل نقله من كتاب لابن جرير أم الأمر رواية تحتاج إلى تحقيق.
عمل المرأة المعاصر هل هو (تحرر) أم (رق)!
مبحث الفقهاء القديم في عورة الأمة مبني على أن الأمة (الجارية) تعمل وتنتقل وتكون مشغولة عن الزينة فخُفِّف عنها في اللباس فعوملت كالقواعد من النساء اللواتي ذُكِرن في الآية {والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم}.
والأمة إن كانت جميلة فإنها تلتزم بحجاب الحرائر، وإن تزينت لزمها الاستتار. وما يُشاع في مواقع الملاحدة والمنصرين من أن الأمة كانت تخرج مغطية ما بين السرة والركبة فقط هذا كذب وتهويل وإنما كان الكلام عن عورتها في الصلاة.
قال الشافعي في الأم: والجواري إذا كانت لهن فراهة وجمال فالمعروف أنهن يُكسَينَ أحسنَ من كسوة اللاتي دونهن.
أقول: وهذا يوافق معنى نص أحمد في أن الجارية الجميلة تنتقب.
ويتأكد في الحرائر الشابات زيادة التستُّر عن الكبيرات خصوصًا في أزمنة الفتن.
وليس هذا محل بسط مسألة عورة الأمة، ولكن أريد ربط هذا الأمر بدعوة بعض من كتب في قضايا المرأة، حيث دعوا إلى التخفيف من شروط الحجاب من أجل المرأة العاملة المعاصرة!
ولولا قناعتهم أن المرأة العاملة المعاصرة أشبه بالأمة قديمًا ما دعوا إلى تخفيف الحجاب لجعل المرأة المعاصرة المتحررة أقرب ما تكون إلى الأمة قديمًا، بل يريدون في حقها تخفيفًا ما قيل في الإماء قديمًا، فيريدون إخراج ساقيها وشعرها وأن تلبس ضيقًا.
وقديمًا كانت معاملات الناس على ثلاثة أنحاء:
أولًا: الإجارة: حيث يستأجر المرء إنسانًا ليعمل له عملًا معينًا بأجرة، وميزة هذا العقد للأجير أنه لا يقف عند مستأجر واحد، فيؤاجر نفسه عند هذا وعند هذا وبمجرد ما ينتهي من عمله يكون حر نفسه.
الثاني: المضاربة: وهو أن يشترك رجلان أحدهما برأس المال والآخر بعمله والربح بينهما، وهذا العقد يختلف عن الإجارة بأن المرء يلتزم مع شخص واحد ويبقى وقته معه، ولكن الغنم في أنك كلما زاد الربح زاد نصيبك بخلاف الإجارة الذي حددت أجرتك فيها مبدأيًّا، ويمكنك نقض عقد المضاربة.
الثالث: الرق: والرقيق ليس حر نفسه كالأجير، ولا له نسبة مفروضة من الربح كالمضارب، ولكن سكنه وطعامه وشرابه ولباسه وعلاجه وزواجه على سيده، فهذا هو غنم الغرم الذي عليه.
وأما منظومة الوظيفة الموجودة في الرأسمالية فلك أجرة كالأجير ولكنك لست حر نفسك مثله ولا لك نسبة كالمضارب ولا الراتب يكفي لسكن وزواج إلا بقرض ربوي.
فمنظومة الوظيفة في السياق الرأسمالي أسوأ من بعض الوجوه من الرق، لهذا قياسها على الرق من طرف خفي في كتابات التجديديين أمر على القياس، ولكن النكتة أن تسمى هذا تحريرًا وتحررًا!
وبعض الناس يقول لا يوجد بديل عن هذا!
فيقال: هذا الموجود الآن جاء على أنقاض نظام آخر، فلا بد من نقده للتجديد الحقيقي بدلًا من الاستسلام وتطويع الدين له وتسمية ذلك تجديدًا.
ماذا لو قالها ابن تيمية؟
قال ابن كثير في تفسيره: "وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة. قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال الله تعالى: {ولا يحيطون به علما} [طه: 110] ، وفي صحيح مسلم: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ولا يلزم منه عدم الثناء، فكذلك هذا.
قال العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} قال: لا يحيط بصر أحد بالملك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط عن سماك، عن عكرمة، أنه قيل له: {لا تدركه الأبصار} ؟ قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى. قال: فكلها ترى؟.
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار} هو أعظم من أن تدركه الأبصار.
وقال ابن جرير: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22، 23] ، قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم. فذلك قوله: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}"
خلاصة هذا الكلام أن الجمع بين النصوص المثبتة للرؤية وقوله تعالى: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار) أن الله عز وجل يرى ولا نحيط به بصراً، كما أننا نعلم بأسمائه وصفاته ولكن لا نحيط به علماً.
كلام عكرمة البربري التابعي المفسر الشهير فيه ضرب مثل بالسماء (ولله المثل الأعلى) فيقول أنك ترى السماء ولكنك لا تراها كلها، وهو يعني أنك إن رأيت الله عز وجل يوم القيامة فلن تحيط به رؤية.
هذه الكلمة لو قالها ابن تيمية ورآها أشعري لقال مباشرة: تجسيم وحشوية لأنه يقول بأننا لن نرى (كل الذات) فهذا معناه أننا سنرى بعض الذات، وهذا تبعيض وتجسيم وحشوية!
ولكن هذا الكلام لتابعي، ورواه العلماء دون نكير، ونحن إما أن نقول أننا نحيط بالله رؤية فنخالف القرآن، وإما أن ننفي الرؤية كما فعل الجهمية والمعتزلة صراحة، ونفوا أعظم ثواب أهل الجنة ومنتهى آمال العابدين.
وأما الأشعرية فقالوا قولاً منتاقضاً، أثبتوا رؤية باللفظ ولكنهم نفوا معنى الرؤية، لهذا ستجدهم لا يؤمنون بكلام عكرمة، لأنهم يزعمون أن إثبات وجود حقيقي لله عز وجل بمعنى أنه يشار إليه تجسيم، فالله عز وجل على التحقيق عندهم مجرد معنى ذهني لا وجود له في الخارج. لا يختلف عن قول من يقول الملائكة معاني الخير على سبيل المثال، ولا يثبت أنها كائنات قائمة بذاتها من نور ترى وتسمع.
وأما الحديث عن (التبعيض) فرب العالمين له صفات وهي غير مفتقرة لم يسبقها عدم، وأما المخلوق فسبق صفاته العدم.
وقد ثبت في النصوص إثبات قدم لله عز وجل يضعها على النار فتقول قط قط، ويد يقبض بها ويبسط، ووجه عليه حجاب لو كشف عنه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.
وذكر خصائص لكل صفة يعني أنها غير الأخرى، كما أن العلم غير القدرة غير الكلام، وكلها كمالات له سبحانه وتعالى، والجهمية ينفون صفاته ويقولون تبعيض، فيعدون تنوع كمالاته سبحانه نقصاً!
ولا شيء أنقض لقولهم من إثبات الرؤية دون إحاطة فذلك يقتضي ضرورة إثبات ما يهربون منه.
=
=
وقال ابن أبي شيبة في المصنف 33813 - 32310 - حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير: {وإن له عندنا لزلفى} قال: ذكر الدنو منه.
وقال عبد الله بن أحمد في السنة 1165 - حدثني عبد الله بن عمر أبو عبد الرحمن، نا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير، {وإن له عندنا لزلفى} [ص: 25] قال: «ذكر الدنو منه حتى ذكر أنه يمس بعضه»
وكذا رواه الخلال وقال ابن أبي عاصم في السنة 711 - حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا ابن فضيل، عن الليث، عن مجاهد، عن عبيد بن عمير: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب} قال: ذلك الدنو منه، حتى أن يمسسه ببعضه. وحتى ابن عساكر الأشعري روى هذا الخبر في تاريخ دمشق بالسند والمتن.
وعبيد بن عمير تابعي مخضرم، كان ابن عمر يحضر مجالسه ويبكي من وعظه. وقال ابن القيم في طريق الهجرتين: "وقد قال غير واحد من السلف: كان داود بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة، قالوا: ولهذا قال سبحانه: {فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنّ لَهُ عِنْدَنَا لزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [سورة ص: 25] ، فزاده على المغفرة أمرين: الزلفى وهى درجة القرب منه وقد قال فيها سلف الأُمة وأئمتها ما لا تحتمله عقول الجهمية وفراخهم، ومن أراد معرفتها فعليه بتفاسير السلف".
وحقا الجهمية لا تحتمله وتغضب وتنفر أشد النفرة. وقال ابن أبي شيبة في المصنف 33957 - حدثنا، عبد الله بن نمير، قال: حدثنا، إسماعيل بن أبي خالد، عن، حكيم بن جابر، قال: " إن الله تبارك وتعالى لم يمس بيده من خلقه غير ثلاثة أشياء: خلق الجنة بيده، ثم جعل ترابها الورس والزعفران، وجبالها المسك، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة لموسى عليه السلام".
وهذا إسناد صحيح لحكيم بن جابر، فتأمل كلام عكرمة في الرؤية، وكلام عبيد بن عمير في أمر داود، وكلام حكيم بن جابر، وكلهم من التابعين ومن أعيانهم، ولو ذكرت هذه الألفاظ للجهمية المعاصرين لقالوا لك تجسيم وحشوية. لتعلم أن القوم ينفرون من كل إثبات حقيقي لله عز وجل. ومن يقول أنهم أرادوا تنزيه الله، هذا غافل، بل هم راموا إعدامه فمم ينزهونه؟ من كماله؟
من كونه سبحانه وتعالى يراه عباده المؤمنون ولا يحيطون به؟ إثبات أنه يرى ولا يحاط به يتناسب تماماً مع إثبات صفات عدة له سبحانه، على ما ورد في النصوص كالوجه واليدين وغيرها وعلوه على خلقه سبحانه.
وأعلم أن كثيرين سيتذمرون من هذا البحث، بدعوى أنهم عقلاء يتنزهون عن البحث في ذات الله وصفاته، وأعظم نعيم أهل الإيمان مطاردة وراء فردوسهم الأرضي الموهوم.
غير أنني لو قلت لهم أن هذا الكلام دفاع عن ابن تيمية الذي يرميه المخالفون بالكفر أو الابتداع لمجرد أنه يقول بمضامين هذه الآثار فسيخف الأمر عندهم، لأن ابن تيمية بشر وعالم، والحفاظ على أعراض البشر من الأغراض المعظمة عند أهل العصر، بخلاف الكلام في العقيدة وأسماء وصفاته، والذي دائماً يحتاج إلى استئذان حتى نتكلم به، علماً أن المخالف يتكلم ويشوش. وأنا هنا أنقل آثاراً من كتب التفسير وأشرح آيات ينبغي أن يعنى كل مسلم بفهمها، والله المستعان.