كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل تثبت قصة ابن حجر مع اليهودي؟

المصدر
هل تثبت قصة ابن حجر مع اليهودي؟ قال المناوي في فيض القدير (3/546): "ذكروا أن الحافظ ابن حجر لما كان قاضي القضاة مر يوما بالسوق في موكب عظيم وهيئة جميلة، فهجم عليه يهودي يبيع الزيت الحار وأثوابه ملطخة بالزيت وهو في غاية الرثاثة والشناعة فقبض على لجام بغلته وقال: يا شيخ الإسلام تزعم أن نبيكم قال الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر،د فأي سجن أنت فيه وأي جنة أنا فيها، فقال: أنا بالنسبة لما أعد الله لي في الآخرة من النعيم كأني الآن في السجن، وأنت بالنسبة لما أعد لك في الآخرة من العذاب الأليم كأنك في جنة فأسلم اليهودي". أقول: المناوي متوفى عام 1031 وابن حجر متوفى عام 852 فبينهما فارق زمني كبير، ولم أجد أحداً نسب القصة لابن حجر قبل المناوي، وفشا ذلك في المعاصرين جداً. ثم إنني وجدت من يذكرها ممن مات قبل ابن حجر عن غير ابن حجر، مما يدل على أنها نسبتها له وهم. قال زكريا بن محمد بن محمود القزويني (المتوفى: 682هـ) في كتابه آثار البلاد وأخبار العباد: "ينسب إليها القاضي أبو يوسف، ذكر أنه كان رآه رجل يهودي وقت الظهيرة يمشي راكباً على بغلة، واليهودي يمشي راجلاً جائعاً ضعيفاً، فقال للقاضي: أليس نبيكم يقول الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر؟ قال: نعم. قال: فأنت في السجن وأنا في الجنة والحالة هذه! فقال القاضي: نعم يا عدو الله، بالنسبة إلى ما أعد الله لي من الكرامة في الآخرة في السجن، وأنت بالنسبة إلى ما أعد الله لك في الآخرة من العذاب في الجنة". فهذا رجل مات قبل ولادة ابن حجر بزمن طويل يذكر القصة وينسبها لأبي يوسف القاضي ولكن بلا إسناد، فعلم أن القصة معروفة قبل ولادة ابن حجر تنسب لبعض القضاة في الزمن الأول بلا إسناد. فتوهم بعض الناس، وركبها على بعض المتأخرين. وقال عبد القادر بن محمد بن نصر الله القرشي، أبو محمد، محيي الدين الحنفي (المتوفى: 775هـ) في الجواهر المضية في طبقات الحنفية: "سهل الصعلوكي الفقيه الخراساني الحنفي ممن جمع رياسة الدين والدنيا خرج عليه يوما وهو فى موكبه من سجن همام يهودي فى إطمار سحم من دخانه قال ألستم تروون عن نبيكم أن الدينا سجن المؤمن وجنة الكافر وأنا عبد كافر وترى حالي وأنت مؤمن ونرى حالك فقال له الحمد لله إذا صرت غدا إلى عذاب كانت هذه جنتك وإذا صرت أنا إلى نعم الله ورضوانه كان هذا سجني فعجب الخلق من فهمه وبداهته ذكر هذه الترجمة هكذا القرطبي فى كتاب قمع الحرص". والقرشي أيضاً متقدم على ابن حجر والمناوي، غير أن القزويني متقدم عليه، فالقصة إما تنسب للصعلوكي أو لأبي يوسف بلا إسناد، وأما نسبتها لمن تأخر عنه فيبدو أنه وهم من المناوي أو ممن أخذ عنه المناوي، فيبعد تكرر القصة بنفس التفاصيل بل القصة أصلها المذكور في الكتب القديمة، وتوهم بعض من تأخر وركبها على بعض القضاة المتأخرين.