كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قال الجاحظ المعتزلي في كتابه البيان والتبين :" وأنا ذاكر بعد هذا فنا آخر من كلام

المصدر
قال الجاحظ المعتزلي في كتابه البيان والتبين :" وأنا ذاكر بعد هذا فنا آخر من كلامه صلّى الله عليه وسلّم، وهو الكلام الذي قلّ عدد حروفه وكثر عدد معانيه، وجلّ عن الصنعة، ونزّه عن التكلف، وكان كما قال الله تبارك وتعالى: قل يا محمد: وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ . فكيف وقد عاب التشديق، وجانب أصحاب التقعيب، واستعمل المبسوط في موضع البسط، والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي، فلم ينطق إلا عن ميراث حكمة، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد، ويسر بالتوفيق. وهو الكلام الذي ألقى الله عليه المحبة، وغشاه بالقبول وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الأفهام، وقلة عدد الكلام، مع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته. لم تسقط له كلمة، ولا زلت به قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذّ الخطب الطوال بالكلام القصار، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة، ولا يستعمل المواربة، ولا يهمز ولا يلمز ، ولا يبطىء ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر. ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعا، ولا أقصد لفظا، ولا أعدل وزنا، ولا أجمل مذهبا، ولا أكرم مطلبا، ولا أحسن موقعا، ولا أسهل مخرجا، ولا أفصح معنى، ولا أبين في فحوى، من كلامه صلّى الله عليه وسلّم كثيرا" أقول : البلاغة النبوية مستغنية عن مدح هذا المعتزلي ، ولكن تأمل كيف أنه مع انحرافه صح عنده طائفة كبيرة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مما مكنه من وصف البلاغة النبوية فكيف بأهل الحديث الذين أفنوا أعمارهم في طلبها مع ما وضعوه من شروط شديدة لقبول الحديث لم توضع لقبول كلام رجل آخر قط