كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

تهكُّم ظريف من الذهبي !

المصدر
تهكُّم ظريف من الذهبي ! الناظر في كتب الأدباء يجد أنهم على اختلاف مذاهبهم العقائدية والسلوكية ( نسكاً ومجوناً ) يعنون عناية شديدة بأخبار الأجواد من العرب وذلك أنهم كانوا يطمعون بعطايا الملوك على ما يكتبون ومن أحسن التعرض للملك أو الفاضل إذا أهديته الكتاب أن تملأ الكتاب بأخبار أهل الجود وما قيل في الثناء عليهم وما حفظ من ذكرهم لتشوقه إلى الاقتداء بهم حتى أنك لتجد بعض من يذكر بالتشيع والاعتزال مثل ابن عبد ربه لا يفوت أخبار معاوية في الجود والحلم وقريب من حاله الجاحظ على انحرافه عن الرجل ولكنهم يحبون ألا يتركوا من هذه الأخبار شيئاً يعرفونه حتى يحلم الملوك عن زلاتهم ويجودوا عليهم بالأعطيات وكان من الأجواد المشهورين يزيد بن المهلب قال ابن عبد ربه في العقد الفريد :" ومنهم يزيد بن المهلب _ يعني الأجواد _ وكان هشام بن حسّان إذا ذكره قال: والله إن كانت السفن لتجري في جوده" وترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء وقال في ترجمته :" وحكى المدائني: أن يزيد بن المهلب كان يصل نديما له كل يوم بمائة دينار، فلما عزم على السفر، أعطاه ثلاثة آلاف دينار" ثم علق الذهبي متهكماً مقارناً بين أجواد الزمان الماضي وملوك عصره بقوله : " ملوك دهرنا أكرم! فأولئك كانوا للفاضل والشاعر، وهؤلاء يعطون من لا يفهم شيئا، ولا فيه نجدة أكثر من عطاء المتقدمين" أراد الذهبي أن الأوائل كانوا يعطون الشعراء الذين يحيون ذكرهم أو يغيثون المسكين المستغيث أو الرجل الفاضل الذي يرجى للملمات وأما ملوك عصره فيعطون من لا يرجى خيره وهو هنا يذم بِمَا ظاهره المدح وقد تطاول بنا الزمان حتى رأينا أقواماً هم أردى حالاً ممن وصف الذهبي ينفقون المبالغ العظيمة على نسوة اشتهرن بالفسق والفجور وعلى أهل الغناء الذين ما فيهم في أي فضيلة غناء _ بفتح الغين _ ( فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ) ثم هم لا يستحون إذا رأوا أحداً على خير قالوا له : الناس وصلوا للقمر وأنت لا زلت في كذا وكذا يذكرون الطاعات والخير ، ثم هم عاكفون على لهو لا ينفع في دنيا ولا آخرة وينفقون فيه الأموال العظيمة فلا هم على أخلاق أهل الجاهلية ممن يطلبون المفاخرة ببذل المال ولا هم على أخلاق أهل الإسلام ممن يطلبون الأجر بذلك.