{إنه يعلم الجهر وما يخفى} وأركان الإسلام الخمسة...
{إنه يعلم الجهر وما يخفى} وأركان الإسلام الخمسة...
هذه الآية {إنه يعلم الجهر وما يخفى (٧)} كثيراً ما تطرق الأسماع، ومؤخراً بدا لي فيها معنى.
وهو أنك إذا نظرت إلى أركان الإسلام الخمسة لوجدت عامتها فيها {الجهر وما يخفى}، وكله يعلمه الله ونرجو أجره، وكل ذلك فيه أنواع تيسير {ونيسِّرك لليسرى (٨)}.
فأما الشهادتان: ففيها الأركان القلبية (العلم واليقين والقبول والانقياد والصدق والمحبة) وكما ورد في الحديث: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصا من قلبه».
فالجهر: هو التلفظ بالشهادتين والإعلان بها، وأما ما يخفى: فالإخلاص القلبي والعلم بمعناها والأمور الأخرى.
وأما التيسير: ففي جواز التكلم بكلمة الكفر عند الإكراه {إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان}.
وأما الصلاة: ففيها صلوات جهرية وأخرى سرية، فذلك {الجهر وما يخفى} وفي الصلاة الواحدة في الجماعة يوجد ركعات جهرية وأخرى سرية، فذلك {الجهر وما يخفى} وفي الركعة الواحدة يوجد ذكر يعلِن به الإمام والمنفرد وأركان ظاهرة، ويوجد أذكار سرية كأذكار السجود والركوع والتشهد فذلك {الجهر وما يخفى}، وتوجد صلاة الجماعة ويوجد قيام الليل والناس نيام، فذلك {الجهر وما يخفى}، وتوجد الطهارة وهي شرط فيه من السرية ما فيه والنية كذلك، ويوجد استقبال القبلة وغير ذلك من الأركان الظاهرة المشاهدة، فذلك {الجهر وما يخفى}.
وأما التيسير: ففي تقصير الصلاة للمسافر وجواز الصلاة جالساً للمريض وفي التطوع.
وأما الزكاة: فهناك أموال ظاهرة مثل الزروع والماشية يقبضها الولاة، فذلك الجهر، وهناك أموال باطنة كالذهب والفضة وعروض التجارة -على الصحيح- فذلك ما يخفى، وهناك صدقة معلنة وهناك صدقة السر.
وأما التيسير: ففي كون زكاة غير السائمة لا تجب -على الصحيح- وكون زكاة الزروع إن كانت بجهد وبالآلات وبالنواضح (بغير المطر) ففيها نصف العشر.
وأما الصيام: ففيه قول المرء إن سابه أحد أو شتمه: إني صائم، فذلك الجهر، وهناك الامتناع عن المفطرات ولو غاب الناس عنك وصيام التطوع، فذلك ما يخفى.
وأما التيسير: ففي سقوط الصيام عن المريض والمسافر وأنه يقضي في وقت آخر وأن المريض الذي لا يرجى برؤه يطعم.
وأما الحج: فعامة أحواله جهر، والالتزام بأركان الإحرام فيه من السر عدم الأخذ من الشعر الباطن المخفي عن الناس وعدم مباشرة الزوجة وإن خلوت بها، فذلك ما يخفى.
والتيسير في الحج: في قوله ﷺ في يوم النحر لمن قدَّم وأخَّر «افعل ولا حرج» وفي الإذن للضعفة بتعجيل الدفع من مزدلفة وفي إسقاطه عن غير المستطيع وجواز التشريك في الهدي وغيرها.
فتأمل كيف أن هاتين الآيتين على اختصارهما أشارتا إلى كل هذه المعاني، وهي حاضرة في المعاملات؛ ولكن أمر أركان الإسلام أعظم لذا خصصتها بالذكر.