كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

جواب مشكلة الحضارة ومشكلة الشر في آية واحدة

المصدر
جواب مشكلة الحضارة ومشكلة الشر في آية واحدة أكثر مشكلتين يطرحهما الشباب المتشكك مشكلة (الحضارة) وهي استغراب أن تكون القوة والتقدم بيد غير المسلمين ومشكلة الشر وهي الحديث عن الكوارث التي في الدنيا أو بعض المصائب التي تحصل للناس. وقد أجاب كثيرون عن هاتين المشكلتين وبينوا ما فيهما من المغالطة غير أنني وجدت مسلكاً قرآنياً قريباً ينقض أصل الإشكال الذي تكونت بسببه المشكلتان. قال الله تعالى: {ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر}. تأمل قوله: {وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر} يعني لو حيزت له الدنيا كلها وما كان فيها كدر وعمر فيها ألف سنة، فإن ذلك لا ينقذه من العذاب الأخروي. ما هو بمزحزحه من العذاب أن يصعد للقمر، ما هو بمزحزحه من العذاب أَن يتقدما تقنيًا واقتصاديًا فيما تظن، وإلا فحالهم فيها من الشر الشيء العظيم. وأصل مشكلة الحضارة ومشكلة الشر الغفلة عن الآخرة، وأن هذه الدنيا مجرد ممر، فالنعيم الحقيقي في الآخرة والكمال الذي لا شر فيه في الجنة والعذاب الحقيقي في الآخرة، وأما في الدنيا فالعذاب الذي يكفر الذنوب ويؤدي للنعيم هو نعيم في الحقيقة والنعيم الذي يشغلك عن الآخرة والنعيم الحقيقي هو استدراج وعذاب في الحقيقة. لهذا كان المؤمنون إذا أصابتهم مصيبة يقولون: (إنا لله وإنا إليه راجعون) يتذكرون هذا المعنى، وأهل الإيمان أنعم الناس بالنعم المباحة لأنهم يجعلونها عبودية، فتجدهم يحمدون الله عليها فتصير مع لذتها في الدنيا ثواباً في الآخرة. ودائماً يذكر الشيوخ عند شرح حديث: "إنما الأعمال بالنيات" أنك يمكن بالنية أن تجعل المباح طاعة بأن تنوي التقوي على الطاعة في مأكلك ومشربك ونومك وغيرها من المباحات، ولا شيء يعين على التدرب في استحضار النية في هذا مثل الصيام الذي يكون فيه الأكل إيذاناً بانتهاء عبادة معينة ويأتي فيه السحور للتقوي على الصيام والسعيد من استحضر هذا المعنى إلى ما بعد الصيام.