مواعظ صارت طواغيت ..
مواعظ صارت طواغيت ..
قال تعالى : (قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا )
هذه شكاية أقدم الرسل لرب العالمين يذكر فيها أن رؤوس أهل الباطل ما زادتهم أموالهم ولا أولادهم إلا خسارا
فكيف هذا ؟
المال والولد باب لتحقيق الغائية والاتصال بالله عز وجل وتوحيده وذلك على عدة درجة
الأولى : وهي الدرجة التي يدركها عموم الناس أن هذه نعم من الله فمنهم من يكون استحضاره لأصل وجودها مع فقدان غيره لها قويا ومنهم من يكون استحضاره لبقائها قويا مع فقدان غيره لها
وكثيرون هُم من كانوا ليسوا كذلك ثم اكتسبوا الأمر وقد يخادع المرء منهم نفسه فيزعم أن ذلك بكده وتعبه فقط ولكن دائما يتسلل إلى قلبه شعور بالضعف انتابه في بعض المحطات يصير خوفا أحيانا من فقدان هذه الأمور
الثانية : مرتبة إدراك الحدوث والافتقار أما ادراك الحدوث فالولد له بداية وكذلك أنت كنت وكل ما له بداية له نهاية أيضا فهذا الولد في حقيقة يذكرك بالواحد الأحد لأنك ولدت وافتقر إليك وأنت افتقرت إلى والدك وهكذا يتسلسل الأمر حتى نصل إلى الأول الذي لا يفتقر إلى أحد الغني عن العالمين وهو واحد سبحانه إذ الثاني فرضية زائدة لا حاجة لها وأما هو سبحانه فكل شيء يدل عليه
وأما إدراك الافتقار فأنت مفتقر للمال وهو مفتقر إليك أنت تفتقر للطعام لكي تعيش والطعام يفتقر إليك لتزرعه وترعاه أنت مفتقر وهو مفتقر فمن أوجدكم ونظم الأمر بينكم الواحد الأحد الغني عن العالمين وكل شيء مفتقر إليه
أنت تفتقر إلى الانثى والأنثى تفتقر إليك لكي تنجبا ويستمر النسل فمن أوجدكم ووضع هذا الأمر في نفوسكم ونظم أحوالكم ووجودهم كان ينبغي أن يكون متوازيا منظما لكي يستمر النسل
والولد يذكر بالموت ففرحة الناس به لاستمرار النسل ولولا وجود الموت فينا ما أهمنا هذا المعنى
والخلاصة أن المال والولد يوصلان إلى الواحد الأحد الغني الذي ليس كمثله شيء فلا يستحق العبادة غيره فضلا عن جحود اصل وجوده فمن ألهاه المال والولد وعامة شهوات الدنيا عن رب العالمين ما تزيده هذه الأمور إلا خسارا لأن أصل وجودها ليدل الانسان على رب العالمين فاتخذها كثير من الناس أربابا من دون الله
ومن تدبر أحوال الناس في عامة مذاهبهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية المجافية للدين أو حتى القراءات الحداثية للدين وجد جوهرها نسيان الغاية والغفلة عن رب العالمين وتأليه هذه الشهوات والملذات ورفعها فوق مقامها مع أنها من رحمة الله انه جعل فيها ضررا وألما حتى لا يشتد اقبال الناس عليها ومع ذلك كثيرون هُم في غفلتهم ومع اتباع هذا الفاني يفقدون الملذات الباقية في جوار رب العالمين في جنان الخلد
واليوم ما أكثر المسلمين ممن ينظرون لمن ( لم يزده ماله وولده إلا خسارا ) ويجعلون أقصى أمانيهم الوصول لأحوالهم وأن هذا هو ( الرقي ) و ( التقدم ) و ( النهضة )