أهل الحديث على خطى الخليل والكليم.
أهل الحديث على خطى الخليل والكليم.
مما يعانيه أهل العلم شعورهم بالمسئولية تجاه بقية الخلق فكما كان النبي ﷺ لهذه الأمة كالوالد وعادة الوالد أن يحمل هم أولاده ويخشى من التقصير في حقهم وفي إرشادهم لما فيه المصلحة الراجحة لهم فكذلك ورثة النبي ﷺ
ومن أشد تلك المقامات على نفوسهم مقام المناظرة فإن العالم يخشى أن يفلت من المبطل كلام ينفد إلى قلوب العامة في ذلك المجلس ولا يهتدي إلى نقضه غفلة عنه أو ينقضه بما لا يفهمه الناس إلا بعد تدبُّر
ولهذا مقام المناظرة يحتاج إلى استجماع ذهن فليس المقام مقام صواب وخطأ بل مقام دفع الباطل بأقصر طريق ممكن وأقربه إلى أذهان السامعين خصوصاً إن كانوا من العامة فما أيسر أن ترُّد على الباطل في سياق تخصصي في كتاب أو مقال غير أن رد الباطل بأقصر طريق يفهمه العامي في مقام مناظرة وقتك فيها محدود ذلك عسير ولا يكفي فيه سعة العلم بل لا بد فيه من ذكاء وقَّاد وسرعة بديهة
قد يستسهل هذا المقام الباحث عن الشهرة ولكن الحريص على الخلق يستثقله ويراه مسئولية عظيمة فما بالك إذا أضيف لهذا الثقل أن يكون خصمك في المناظرة سلطان جائر لا يُؤْمَن بطشه
فهذا أبعد ما يكون عن المقدرة على استجماع الذهن فالمقام بذاته ثقيل فكيف إذا أُضيف إليه رهبة الخوف من بطش السلطان
إذا فهمت ما سبق يمكنك أن تفهم عِظَمَ موقف الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام في مناظرته للنمرود قال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
وتأمل أنه سفَك دماً أثناء المناظرة فذلك أدعى لإرهاب الخليل ومع ذلك ما تزعزع ودمَغه بالحجة
وكلنا يعرف شأن الكليم موسى عليه الصلاة والسلام مع فرعون وقد علِم كل الناس بطشه وجرأته على الدماء وعلى أذية الخلق
ولما ظهرت في الأمة بدعة الجهمية ثقل أمرها على كل مسلم حتى قال خالد القسري في الجعد بن درهم: إنه يزعم أن الله لَم يتخذ إبراهيم خليلاً ولَم يكلِّم موسى تكليماً .
وهذا مذهبهم إلى يومنا هذا يفسرون الخُلة بالافتقار وكل الخلق مفتقرون إلى الله فلا خصوصية للخليل إلا من تكلَّم منهم بلسان التصوف فإنه يخالف مذهبه الكلامي ظاهرياً
ويزعمون أن الله ليس له كلام يُسمع وبهذا يجرِّدون موسى من فضيلته ( وهذه حقيقة قولهم بخلق القرآن )
ولمَّا صار لهم سلطان ودعوا الناس إلى هذه المقالة تشبهوا بالنمرود وفرعون وجاءوا بأحمد ابن حَنْبَل مقوداً بالسلاسل وطلبوا أن يناظروه تحت سياط الترهيب وقد سَبَق إلى سمعه ما فعلوا بإخوانه قبله
يوردون عليه شبهاتهم وسيوفهم وسياطهم مشرعة هُم على خطى ذاك الذي قال ( أنا أحيي وأميت ) يقولون ما خرج من الله مخلوق وما خرج منا مخلوق ( بل ينفون أن الله يتكلم بما شاء متى شاء )
وعلى خطى ذاك الذي قال : ( يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا) كذَّب موسى بأن له إلهاً فوق السماء يُعبَد وهم كذلك
وشيخ أهل الحديث على خطى الخليل والكليم يرد عليهم ويلقَف ثعبان حجته عِصي شبهاتهم حتى لمَّا أعجزتهم الحجج جلدوه جلداً عظيماً ولو كانوا قادرين على إقامة الحجة عليه ما لجأوا إلى ذلك
وسار على طريقة الإمام عدد ممن انتحلوا طريقته في حرب أهل الكلام فهذا أبو إسماعيل الأنصاري الحنبلي يعرض على السيف مرات لا يقال له ارجع عن مذهبك وإنما اسكت عمن خالفك، وهذا عبد الغني المقدسي الحنبلي يُهدَر دمه مرات بفتاوى أهل الكلام
وأما ابن تيمية فذاك نبأه عجيب وأحواله سماوية وكم من مناظرة له كانت على رسم مناظرة إمامه أحمد
ومِن أحواله التي اجتمع عليه فيها التهديد مع المناظرة ما ذكره تلميذه الغياني: فإنه لما جاءه المشايخ التدامرة نحو سنة (708) وقالوا: "يا سيدي قد حمَّلونا كلامًا نقوله لك، وحلَّفونا أنه ما يطَّلِع عليه غيرنا: أن تنزِلَ لهم عن مسألة العرش ومسألة القرآن، ونأخذ خطك بذلك، نوقف عليه السلطان ونقول له: هذا الذي حَبَسْنا ابن تيمية عليه، قد رجع عنه، ونَقْطع نحن الورقة
فقال لهم الشيخ: تدعونني أن أكتب بخطي أنه ليس فوق العرش إله يُعبد، ولا في المصاحف قرآن، ولا لله في الأرض كلام؟! ودقَّ بعمامته الأرضَ، وقام واقفًا ورفع برأسه إلى السماء، وقال: اللهم إني أشهدك على أنهم يدعونني أن أكفر بك وبكتبك ورسلك، وأن هذا شيءٌ ما أعمله ... " ثم دعا عليهم.
ولما قالوا له: كل هذا يعملونه حتى توافقهم، وهم عاملون على قتلك أو نفيك أو حبسك، فقال لهم: "أنا إن قُتِلت كانت لي شهادة، وإن نفوني كانت لي هجرة...". فيئسوا منه وانصرفوا.