كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

أين السلف عن هذا الخير؟ (حين يلقِّنك خصمك حجتك).

المصدر
أين السلف عن هذا الخير؟ (حين يلقِّنك خصمك حجتك). معلوم تنازع الناس خصوصًا في الأزمنة المتأخرة في مسألة التوسل بالصالحين، ويقصدون بالتوسل بالصالحين أن تقول (يا رب أسألك بفلان أو بجاه فلان). وبيَّنت حد التوسل لأن كثيرًا من الناس يخلطون بينه وبين الاستغاثة الشركية، فالاستغاثة أن تقول للولي (يا فلان مدد أو أغثني) أو نحوها من العبارات. والفرق واضح بين الأمرين جدًّا، ففي التوسل أنت تسأل الله عز وجل ولكنك تتوسل إليه بذات صالح معظم، وأما في الاستغاثة فأنت لا تسأل الله وإنما تسأل الولي. فالتوسل غايته الاختلاف في مشروعيته، ونعتقد أنه بدعة، وأما الاستغاثة فهي دعاء لغير الله وذلك شرك. وكان أئمة أهل السنة يستدلون على الجهمية بحديث "أعوذ بكلمات الله التامات" على أن كلام الله غير مخلوق، وعليه فالكلام صفته وهو يفعل ما يشاء متى شاء، خلافًا للجهمية المنكرين لأفعال الله الاختيارية. أقوى أدلة القائلين بجواز التوسل من القرآن قوله تعالى: {وابتغوا إليه الوسيلة}، فيقولون إن الآية عامة فتشمل التوسل بالصالحين. وإذا كان ما يقولون صحيحًا فلا بد أن يظهر هذا في تفاسير السلف، ولو في تفسير واحد منهم، فإن لم يظهر هذا في تفسير أي واحد منهم مع كون عامة أدعيتهم المشهورة خالية عن التوسل عُلِمَ أن مشروعية هذا الأمر لم تكن معروفة عندهم، فلا يُعقَل أن يكون هذا مشروعًا وفيه نفع ثم يخفى على عامة أئمة السلف ولا يهتبلون فرصة استخراجه من ظاهر القرآن كما فعل المتأخرون. قال الجوهري في الصحاح: "[وسل] الوَسيلَةُ: ما يتقرَّب به إلى الغير، والجمع الوَسيلُ والوَسائِلُ. والتوسيل والتَوَسُّلُ واحد. يقال: وَسَّلَ فلانٌ إلى ربّه وَسيلَةً، وتوَسَّلَ إليه بوَسيلَةٍ، أي تقرَّب إليه بعمل. والتَوْسيلُ والتَوَسُّلُ أيضًا: السرقةُ. يقال: أخذ فلان إبلي تَوَسُّلاً، أي سرقه. والواسِلُ: الراغب إلى الله". تأمَّل كيف أن الجوهري إمامُ اللغة الحجةُ في اللغة فسَّر الوسيلة بالعمل الصالح وما ذكر شيئًا آخر، مما يدل على أن التوسل بالذوات ما كان يخطر لهم على بال. ويؤكد هذا أنك إذا رجعت إلى تفاسير السلف وجدتها متواردة متفقة على هذا المعنى. قال أحمد في الزهد ٢١١٨١١٨ - حدثنا إبراهيم، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، {وابتغوا إليه الوسيلة} قال: القربة في الأعمال. وقال مقاتل في تفسيره: وقوله -سبحانه-: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} يعني فِي طاعته بالعمل الصالح. وقال الطبري في تفسيره: "{وابتغوا إليه الوسيلة}، يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه"، ثم روى الطبري هذا المعنى عن عامة أئمة السلف وما نقل عنهم خلافًا. وقال ابن أبي زمنين في تفسيره: "{يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة} قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي: تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ وَالْعَمَل بِمَا يرضيه". أقول: قول القائلين بجواز التوسل أن ظاهر الآية قد يدل على قولهم سليمٌ إذا نظرنا للآية دون تفاسير السلف، فإذا كان الفعل مشروعًا كما يقولون وكانت هناك آية تدل بظاهرها عليه فلماذا لا نجد أي أحد منهم يستدل بها على هذا المطلب، خصوصًا وأن الأمر يتعلق بعبادة متكررة وهي عبادة الدعاء، هذا لا يكون إلا من كونهم لا يعرفون مشروعية هذا الفعل ولا يخطر على بالهم. وقياس بعض المقلدة التوسل بالذوات على التوسل بالأعمال الصالحة هو في حقيقته إقامة حجة للمانعين، وذلك أن أعمال غيرك لا يجوز لك التوسل بها لأنها ملكه {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} وإنما تستفيد من دعائه، واختلف العلماء في إهداء ثواب الشخص لغيره، فكيف بالتوسل بذاته أي بمجموع كل أعماله الصالحة؟ وهؤلاء المقلدة يمنعون من الترجيح في خلافيات المجتهدين، ولو كان المجتهد الذي يقلدونه خالف الجمهور، ثم يجتهدون في الاستدلال لبعض الأمور، ودائمًا يقولون: (المذاهب الأربعة على كذا وكذا) ولا يوجد عندهم نصوص ثابتة عن أئمة المذاهب ولا المتقدمين وإنما قلة متأخرة عامتهم من المقلدين الذين لا يُعَدُّون في أهل الإجماع والخلاف، لأن الإجماع للمجتهدين وأما هؤلاء فغايتهم شرح مذاهب المجتهدين.