الأصل في خلافيات الفرق أنها مبنية على الهوى لا قلة العلم...
الأصل في خلافيات الفرق أنها مبنية على الهوى لا قلة العلم...
ينظر كثير من العاطفيين إلى خلافيات أهل السنة مع أهل البدع أو حتى خلافيات أهل المل على أنها خلافيات مبنية على غموض الدليل. ولا شك أن هناك الكثير ممن خفيت عليه الأدلة إما بتفريط منه أو بغير تفريط (والأكثر بتفريط).
غير أن هناك تغافلاً عن وجود شهوات في النفوس وكبر وعناد وحسد ترجع الخلافيات إلى هذه الأمور.
ولكن كثيراً من الناس تأثروا بفكرة (تكافؤ الأدلة) فصاروا لا يرون في الدنيا عناداً ولا كبراً وإنما فقط الجهل، ثم هذا الجهل لا يزول إلا بزوال الجبال!
وهذا الأمر منقوض في القرآن
قال تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب }[ الشورى].
فهنا رب العالمين ينهى الأمة عن التفرق في الدين فيقول سبحانه: (ولا تتفرقوا فيه)
والآية بعدها: {وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب}
قال الطبري في تفسيره حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم) فقال: إياكم والفرقة فإنها هلكة (بغيا بينهم) يقول: بغيا من بعضكم على بعض وحسدا وعداوة على طلب الدنيا.
فكأن شخصاً فهم من الأمر بعدم التفرق إقرار صاحب الباطل على باطله، والمبالغة في إعذاره وإن كان باطله ظاهراً، فجاءت الآية مبنية أن كثيراً من خلافيات الناس ليس سببها (الجهل) بل هم يتفرقون بعد أن يأتيهم العلم حسداً وكبراً وطلباً للدنيا.
وعليه لا تفزعوا من خلاف هؤلاء، ولا تلوموا أهل الحق إن بينوا لهم وردوا عليهم، وهؤلاء هم من يتحمل مسئولية التفرق المذموم، لأنهم ساروا وراء أهواءهم، لا كما اعتاد أهل عصرنا أن يذموا الناس المختلفين مطلقاً لا يفرقون بين محق ومبطل.
وجاءت الآية التي تليها مؤكدة للمعنى: {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير}
جاء هذا بعد الأمر بعدم التفرق درءاً للتوهم الذي يقع عند كثير من أهل العصر، تجدهم ليحصلوا الاجتماع يتركون الاتباع، ويقعون في اتباع أهواء أهل الباطل، أو السكوت عنها بحجة تحصيل الاجتماع، فجاءت الآية لبيان أن الأمر بترك التفرق المقصود به ترك الأهواء لا التعايش معها.
وقوله (وأمرت لأعدل بينكم) مؤكد على هذا المعنى، فإن التوافقيين من أظلم الخلق، يسوون بين الحق والباطل بحجة الاجتماع، ويذمون المختلفين لمجرد الاختلاف دون التفريق بين متبع ومبتدع، وهذا من أعظم الظلم، والعجيب أنهم يسمونه إنصافاً اليوم.
وقوله سبحانه (لا حجة بيننا وبينكم) أي لا خصومة، بمعنى أننا بعد بيان الحق لا نتعب أنفسنا في التنزل مع سفسطاتكم وقد دلتنا أدلة كثيرة على أنكم تتبعون أهواءكم.