أشباه ابن أبي دؤاد..
أشباه ابن أبي دؤاد..
معلوم أن القاضي أحمد ابن أبي دؤاد هو من تولى كبر محنة الإمام أحمد ابن حنبل، وقد ثبت عن الإمام أحمد تكفيره لابن أبي دؤاد.
غير أن هناك كلمة لأحمد في ابن أبي دؤاد لا يعرفها كثيرون على الرغم من ذكر ابن تيمية لها في بعض فتاويه.
جاء في كتاب محنة الإمام أحمد راوية حنبل ص47: "قلت لأبي عبد الله (يعني أحمد): فكان لابن أبي دؤاد علم؟ فقال: كان من أجهل الناس بالعلم والكلام، إنما كان أهل البصرة المعتزلة الذين يقومون بأوده فإذا انقطع الرجل منهم عرض ابن أبي دؤاد في الكلام، يوهم الآخر أن عنده شيئاً ولم يكن عنده شيء.
وسمعت أبا عبد الله وقال له أبو بكر بن عبيد الله، كان ابن أبي دؤاد يناظر ويتكلم؟ قال: لا ما كان له معرفة بشيء إنما كان يعول على هؤلاء المعتزلة أهل البصرة برغوث وأصحابه فأما هو فلا صاحب علم ولا كلام ولا نظر".
كلمة أحمد هذه تدل على أنه يفهم كلام المتكلمين ولهذا يميِّز الضابط منهم من غير الضابط، ولهذا لما تكلم عن الواقفة قال: "من كان في أصحاب الحديث أو من أصحاب الكلام، فأمسك عن أن يقول: القرآن ليس بمخلوق، فهو جهمي" وذلك أن صاحب الكلام يفهم ما المراد من هذه المقالة، ولاحظ أن أحمد حكم على ابن أبي دؤاد بحكم غليظ مع معرفته بجهله وهذه فائدة جيدة.
فإن قيل: كيف يكون قاضياً وهو على ما وصف الإمام أحمد؟
فيقال: القاضي في ذلك الزمان الذي آل فيه القضاء لأهل الرأي كان من يحفظ الشروط (متون خاصة لأهل الرأي) ويضبطها ويحسن الحكم بين الناس بمقتضاها، وليس من شرطه أن يكون عالماً بالسنن صحيحها وسقيمها والتفسير والأصول وغير ذلك.
وربما تجده متعصباً لأهل الكلام وبعض كلامهم وهو لا يعرف مبادئ كلامهم ولا المآخذ على أدلتهم ثم هو يؤذي أهل السنة كما فعل ابن ابي دؤاد.
وهذه الفئة وُجِدت في زمان ابن تيمية بكثرة.
جاء في ذيل طبقات الحنابلة (3/34): "ولقد عقد مرة مجلس لشيخ الإِسلام أبي العباس ابن تيمية، فتكلم فيه بعض أكابر المخالفين، وكان خطيب الجامع، فقال الشيخ شرف الدين عبد الله أخو الشيخ: كلامنا مع أهل السنة، أما أنت: فأنا أكتب لك أحاديث من الصحيحين، وأحاديث من الموضوعات -وأظنه قال: وكلاما من سيرة عنتر- فلا تميز بينهما -أو كما قال- فسكت الرجل".
سخرية شقيق ابن تيمية (الشيخ شرف الدين) من هذا الرجل الكبير من خصوم ابن تيمية في محلها، ومن نظر في تصانيف عدد منهم عَلِم ضعف معرفتهم بعلوم الكتاب والسنة، فتجد الرجل منهم خطيباً مفوَّهاً يحسن النحو والبلاغة، ويأخذ الكلام بالتقليد ويدرس الفقه مجرداً عن أدلته التفصيلية ومناقشات أهل المذاهب، وأحسنهم طريقة من يضبط الخلاف الداخلي في المذهب ثم تجده يضخم العمامة ويجد في قومه، وهذا حالهم إلى يومنا هذا مع شيء من الثقافة العامة، فإن عرف شيئاً من الفلسفة المخلوطة بالزهد وذلك الذي يسمونه تصوُّفاً كان هو الكامل فيهم.
وأما الدراية بآثار الصحابة والتابعين فذلك قليل جداً فيهم، وتجد منهم من يعرف الحديث والرجال والأسانيد ولكنه مقلد في الكلام شأنه شأن ابن أبي دؤاد يتعصب على جهل، وتجد المتكلم الخالص يعترف بضعف حججهم الكلامية في بعض المواطن بينما المقلِّد يتصلب ويتكلم عنها على أنها يقينيات.
وقال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي معلقاً على استشهاد السبكي ببعض الواهيات: "وفي الجملة ليس هذا الخبر مما يصلح الاستشهاد به ولا الاعتبار ولا يحتج به إلا من هو أجهل الناس بالعلم".
وقد وصف ابن تيمية الأخنائي قاضي المالكية بأنه من أجهل الناس (نحو وصف أحمد لابن أبي دؤاد).
وقال ابن تيمية في درء التعارض (6/ 329) متحدثاً عن الرازي: "وإن كان لم يتصور حقيقة الأمر، فهو من أجهل الناس بهذه الأمور العقلية، التي هي موافقة لما أخبرت به الرسل، وهو يزعم أنها تناقض الأدلة السمعية، فهو كما قيل:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم"
ويقول أيضاً في (2/ 174): "وأما أقوال أئمة الفقه والحديث والتصوف والتفسير وغيرهم من علماء المسلمين وكذلك كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان فكلام الرازي يدل على أنه لم يكن مطلعاً على ذلك".
أقول: وهذا قد يتكرر في زماننا، تجد الرجل المعظَّم وذا المنصب والذي يتعصب له أهل الباطل ويُسبغون عليه الألقاب الفخمة وهو في الحقيقة جاهل بالوحي وميراث الأنبياء ومعرفته بها فوق معرفة العوام بقليل، ولا يوجد عنده المَلَكة التي تُمكِّنه من تمييز أصح الصحيح من أبطل الباطل، لهذا يوصف بالجهل.
وليس الأمر كذلك فحسب، بل تجده ليس فاهماً تمام الفهم لمذهبه الكلامي الذي ينافح عنه، وما أكثر ما رأيت هذا في جهمية زماننا، حتى إن كثيراً منهم يناظر بأصول الفلاسفة التي تخالف المتكلمين ويدَّعي أنه ينصر مذاهب المتكلمين!
ومنهم من يُنكِر أن من مذهبهم كيت وكيت وتجده مشهوراً معروفاً في مصنفات كبار أئمتهم، حتى إنك إذا حكيت هذا عن أئمته استنكر وغضب وطالبك بالبينة ويظن أنه يعجزك، حتى إذا أعطيته البينة كلح وراوغ.
الآية التي نقضت مذاهب الجهمية كلها..
أكثر ما يختلف فيه الناس في أمر الاعتقاد مسائل الأسماء والصفات، والقدر والإيمان، وقد كان الجهمية الأولى نفاةً للصفات جبرية في القدر، مرجئة غلاة في باب الإيمان، ووافقهم المعتزلة في جملة النفي، مع مخالفات لهم، وخالفوا في القدر والإيمان.
وأما الأشعرية المتأخرون فوافقوهم في جملة النفي، مع مخالفات لهم، ووافقوهم في الإيمان والقدر بالجملة، وفي غالب هؤلاء المتأخرين.
قال تعالى: {حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} [فصلت].
أقول: هذه الآية فيها النقض على مذاهب الجهمية في الصفات والإيمان والقدر.
أما نقضها عليهم في الصفات: فقد استدل أحمد بالآية على الجهمية في كتاب على الجهمية والزنادقة، حين زعموا بعض اللوازم في أمر إثبات صفة الكلام، وقال لهم سبحانه يتكلم بما شاء متى شاء كيف شاء، ولا يلزم ما تظنونه من التشبيه، فإذا كانت المخلوقات تتكلم، ويجمعها اسم الكلام، وتتفاوت في حقيقة الكلام فلله المثل الأعلى (هذا معنى كلامه).
ثم إن فيها إشارة للرد على بدعة الكلام النفسي عند الجهمية المتأخرين، إذ لو كان الكلام بالنفس كلاماً معتبراً، ويطلق عليه اسم الكلام لذكر شهادة الأفئدة، غير أنك ترى أنه ما شهد إلا الأعضاء الظاهرة بكلام مسموع.
وقد ورد في السنة أنه نهي عن الكلام في الصلاة، وعلم أن الناس يحدثون أنفسهم، ولا يسمون ذلك نطقاً، ولا يبطلون به الصلاة، فعُلِم أن الكلام إذا أُطلِق يراد منه النطق المسموع.
وأما نقضها عليهم في باب القدر: فهم جبرية يرون كل أفعال الناس لااختيارية، والله هو الفاعل حقيقة، وموقف الرجل حين يأبى أن يتكلم بلسانه، ويتكلم سمعه وبصره وجلده ينقض عليهم.
ووجه ذلك أنه لو كانت كل أفعال الناس إجبارية لم يكن هناك فرق بين شهادة اللسان وشهادة السمع والبصر والجلد، ولمَّا فرق بينهما، عُلِم أن الشهادة الثانية حصلت جبراً. وأما اللسان فأمره مختلف، والاختيار متعلق به، وعلى مذهبهم كان يكفي أن يتكلم لسانه، فلسانه يتكلم جبراً في الدنيا والآخرة، فلما اجتمع في مقام واحد الجبر في بعض الأعضاء دون بعض عُلِم أن الاختيار حاضر.
وقولها {أنطقنا الله} فيها بيان الفارق بين هذا الإنطاق ونطق الإنسان بإرادته، والأمر عند الجبرية كله واحد.
وكذلك هم ينفون الحكمة عن الله -عز وجل- وأنه لا يفعل لحكمة، ويقولون هو منزه عن الأغراض، ويرون أنه لو عذب المطيعين وأثاب الكفار لم يكن فعله هذا مخالفا لما يجب له من الصفات.
فلما رأينا أن الكافر -وهو الكافر- لا يدخل حتى يشهد عليه بعمله، مع أن علم الله نافد، عُلِم أنه لا يفعل إلا لحكمة، وجعل في ذلك موعظة لعبيده، ألا يقضوا على أحد إلا بشهود عدل، والعدل والحكمة متلازمان.
وأما نقضها عليهم في باب الإرجاء: ففي قوله سبحانه: {بما كانوا يعملون} فعلم عظيم منزلة العمل في الكفر والإيمان، خلافاً للمرجئة بأصنافها.
باب فيمن قال لا يلزم العامي التمذهب إن كان لا يتتبع الرخص...
بالأمس وقفت -وأنا أقرأ في الأجزاء الأخيرة من كتاب تاج العروس- على هذه الترجمة لابن برهان الشافعي، وقد هيجت أشجاناً.
قال الزبيدي في تاج العروس: "(وأحمد بن علي بن برهان الفقيه صاحب) الإمام أبي حامد (الغزالي)، له أقوال مختارة في المذهب، (و) هو الذي (ذهب إلى أن العامي لا يلزمه التقيد بمذهب، ورجحه) الإمام (النووي)".
وعند العودة إلى روضة الطالبين وجدت ما يلي: "وإن لم يكن منتسبا، بني على وجهين، حكاهما ابن برهان بفتح الباء من أصحابنا في أن العامي هل يلزمه التقيد بمذهب معين؟ أحدهما: لا، فعلى هذا هل له أن يقلد من شاء أم يبحث عن أسد المذاهب، فيقلد أهله وجهان، كالبحث عن الأعلم.
والثاني وبه قطع أبو الحسن إلكيا: يلزمه.
وهو جار في كل من يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأصحاب سائر العلوم، لئلا يتلقط رخص المذاهب بخلاف العصر الأول، ولم تكن مذاهب مدونة، فيتلقط رخصها.
فعلى هذا يلزمه أن يختار مذهبا يقلده في كل شيء، وليس له التمذهب بمجرد التشهي، ولا بما وجد عليه أباه، هذا كلام الأصحاب. والذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهب بمذهب، بل يستفتي من شاء، أو من اتفق، لكن من غير تلقط للرخص.
ولعل من منعه لم يثق بعدم تلقطه".
أقول: جمهور المذهبيين على أن العامي لا مذهب له، ومن رأى أن له مذهباً اختلفوا هل يلزمه التمذهب أم لا؟
بمعنى أنه لو كان في بلد فيه فقهاء شافعية وحنفية، فهل يلزم نفسه ألا يستفتي إلا فقهاء المذهب الشافعي فحسب، أو المذهب الحنفي فحسب. فهذا قول من ألزمه بالتمذهب.
وأما من لم يلزمه بالتمذهب، وهو قول ابن برهان وترجيح النووي، فيجيز له استفتاء أي إنسان من أي مذهب، بشرط أن يكون أهلا للفتيا، وألا يتتبع العامي الرخص.
ومعلوم أن العوام في الناس أكثر من الخواص، فإذا قبلنا ألا يكون العوام متمذهبين، فقد قبلنا أن يكون أكثر الناس بلا مذهب معين، وإذا كنا نأمن الفوضى مع عدم تمذهب العوام بشرط عدم تتبع الرخص، فمن باب أولى أن نقبل ذلك في الخواص بشرط ألا يتتبعوا الرخص، وألا يخالفوا إجماعاً.
فالكل متفقون على ذم تتبع الرخص، وذم مخالفة الإجماع. غير أن هناك باباً يذمه خواص أهل العلم، وهو التعصب لإمام معين، بحيث تقبل أقواله الضعيفة، ويتعصب لها وإن خالفت الأحاديث الصحيحة.
وأكثر من يذم التمذهب يقصد هذه الصورة من التمذهب لذا يقول بعضهم (التعصب المذهبي)
وقد ثبت عن أئمة مجتهدين -قبل زمن الأربعة- أنهم قالوا باختيارات فاسدة، ولهذا هي متروكة في المذاهب الفقهية المشهورة، مثل مذهب المكيين في المتعة والصرف؛ ومذهب سعيد في نكاح التحليل؛ ومذهب الحسن في الإحداد، وغيرها.
وظاهر كلام الكثير من المحققين أن هناك مذاهب للمتبوعين خصوصاً من أهل الرأي، وأهل المدينة، على هذا القياس، بمعنى أنها ضعيفة، وتخالف الأدلة. ونعم قد يشتبه الأمر على المقلد في بداياته، وتبرأ ذمة العامي إن أفتاه بهذا القول من يثق بدينه وعلمه، ولكن لا يسع من وقف على الأدلة أن يخالفها.
وعمدة من ينكر وجود هذا النوع في كلام المتبوعين الميل لفلسفة تكافؤ الأدلة في الفروع (يعني أنه لا يوجد حق في خلافيات الناس وهذا ضمناً فيه إنكار لوجود العناد والكبر والتقصير في طلب الحق والتفاوت في الظهور والخفاء)
والقول بتكافؤ الأدلة في خلافيات المتبوعين يلزم منه القول بتكافؤ الأدلة في مسألة (التمذهب وعدم التمذهب وأيهما أفضل) لأن العقليات لا يجوز فيها التخصيص، والقول بتكافؤ الأدلة مذهب عقلي.
وتأمل خوف الجميع من تتبع الرخص، واليوم ظهر جماعة من أدعياء التمذهب يتقربون للناس بإظهار الرخص في كل مذهب، ويزعمون أنهم بذلك يقضون على السلفية، وهم يقضون على روح التمذهب في حقيقته، ومنهم من لا يتقصد إظهار الرخص، ولكنه إن أظهرها للعامة انتشرت جدا بخلاف الفتاوى الأخرى.