تتمة تجلي المقصود ...
تتمة تجلي المقصود ...
حين يقول عالم (اتفق المسلمون) أو (باتفاق المسلمين) فهو يريد المسلمين أهل سنة وأهل بدعة، فهناك فرق بين قولنا (اتفق أهل العلم) أو (اتفق أهل السنة) وقولنا (اتفق المسلمون)
وإذا قالها الإنسان في سياق جدلي مع إنسان ينتمي لفرقة غير فرقته، وبالتالي مفهوم الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة يختلف عنده عن مفهومك، فحين تقول له (اتفق المسلمون) فأنت تعني كل من يصدق عليه اسم مسلم سواءً كان سنياً عندك أو مبتدعاً.
وبعد هذا يقال:
هل اتفق المسلمون (أهل سنة وأهل بدعة) على عدم تكفير فرقة كلامية؟
الجواب: أن هذا الشرف ما ناله بعض الصحابة، فعثمان وعلي كفرهم الخوارج من أهل البدع (وكثير من أهل العلم لا يكفرون الخوارج ويعدونهم مسلمين)
وأهل الحديث أنفسهم كفرهم كثير من المعتزلة والجهمية، بل أحمد ابن حنبل في زمانه كفروه، وأرادوا سفك دمه، وكذلك ابن تيمية في زمانه.
فكيف يظن أن هذا الأمر الذي ما ناله بعض الصحابة وجماهير أهل الحديث، قد نالته فرقة كلامية عامتها من خالفها يزعم أن في كلامها كفراً!
لو فرضنا أن عالماً ادعى هذه الدعوى، فدعواه ضعيفة، والواقع أنه ما ادعى هذا ولا خطر بباله أصلاً وإنما كان يعني أنه لا يوجد أحد كفر هؤلاء بمجموعهم، بخصوص هذه المقالة.
وإلا فهو يقول: (أهل الحديث والحنابلة والأشعرية) ومعلوم أن هؤلاء داخلون في إجماعه المنقول، فهل هو تركيب سليم أن يقال: (أهل الحديث ليسوا كفاراً باتفاق المسلمين) فأهل الحديث هم رأس أهل الإسلام، وإنما عنى الإلزام وأن كل واحد يقول بعصمة الأنبياء من الصغائر له أئمة قالوا بخلاف قوله، وهو يقول بإسلامهم وإمامتهم، وإن كان غيره لا يرى ذلك.
وفرق بين دراسة مذهب العالم ودراسة نقولاته للإجماع، فإن نقله للإجماع لا بد أن يستند إلى أمور من غير كلامه هو لأنه ينقل عن غيره، وأما كلامه فيفهم بسياقه.
فحين تعتمد على نقل فيه الحديث عن (اتفاق المسلمين) ثم تقول في هذا دلالة على أن العالم الفلاني من أكثر الناس اعتدالاً.
فأنت تفضله على من؟
وأنت تزعم أن كلامه (اتفاق المسلمين) ليس (اتفاق أهل العلم) ولا (اتفاق الفقهاء) ولا (اتفاق أهل الحديث) بل اتفاق المسلمين، واتفاق المسلمين لا بد أن توجد شواهده في مؤلفات جميع المسلمين، فإذن من هم الغلاة الذين كان ابن تيمية يرد عليهم.
ألم يقل ابن تيمية أن هناك في أهل الحديث غلاة ربما كفروا رجالاً من سادات المسلمين، وأن في الحنبلية من يتجاوز. فالنقل يقول (اتفاق المسلمين) والمخالف يقرأه (اتفاق المحققين)
وإذا كان المسلمون كلهم اتفقوا على فهمكم هذا، فهل المعتزلة الذين كان ابن تيمية يرد عليهم في مسألة الأصول والفروع وأخذ كثيرون كلامه وجعلوه مساوياً لقول القائلين بتكافؤ الأدلة، من المسلمين أم من الكفار؟
وإذا كانوا مسلمين وهم عندهم منهج منحرف في تكفير المخالفين فكيف يسوغ نقل اتفاق المسلمين على عدم تكفير فرقة كلامية والحال هذه! ومشهور أن المعتزلة كفر بعضهم بعضاً فضلاً عن الفرق الكلامية المفارقة لهم.
وبعد مدة ستجد الكلام عن إسلام الإمامية، ومع ادعاء إسلام الإمامية والزيدية والإباضية كيف يسوغ نقل اتفاق المسلمين على إسلام أحد ومعلوم مذاهبهم في سادات المسلمين فضلا عمن هم دونهم؟
ونقل ابن تيمية هذا مشهور جداً في رسالة موقف ابن تيمية في الأشاعرة، واعتمده الكثير من الباحثين، وحتى صانعي الفيديوهات الذين تكلموا في هذه القضية جاءوا بهذا النقل، وكنت تحدثت عنه في مراجعتي التي أسميتها (نصوص سقطت من رسالة موقف ابن تيمية من الأشاعرة) وبينت منذ زمن طويل أن الفهم السائد لكلام الشيخ يجعله مهلهلاً سهل النقض، وأن قصده مختلف عما توهمه صاحب الرسالة وقلده عليه كثيرون.