=
=
وأيضا إذا تكلمْتَ عن فرقة منقرضة بتضليل أو تكفير مثل الكرامية والنواصب فإن ذلك يكون أريحيًّا، ولكن لا يكون كذلك إن تكلمْتَ عن فرقة موجودة الْيَوْم وإن كانت أضلَّ من تلك المنقرضة، وذلك أن هاجس (الوحدة) و (تعطيل المشاريع السياسية والاجتماعية والاقتصادية) حاضرٌ مع الفِرق الموجودة الْيَوْم دون المنقرضة.
هذه الأقسام الأربعة تُشكِّل قاعدة عريضة في عالمنا الإسلامي.
وقد تبين لك من البداية أن أقوالهم بُنيت على التأثر بالثقافة الحديثة التي هي أصلًا مبنية على الكفر بالدِّين أو هامشية القضية الدينية، وعامتهم لا يفطن لهذا بل يظن نفسه من خواص خُدَّام الدين.
كما أنهم في ذلك غالبهم واجهوا كلام علماء المسلمين قبل عصر الاستعمار من كل المدارس، والذين كانوا يستخدمون التكفير والتضليل العقائدي بشكل أوسع مما نراه الْيَوْم بوضوح.
فمنهم من رماهم بالتشدد، وهذا لا يخرج من الورطة، فهذا السلوك هو سلوك جماهير علماء الأمة في القرون الفاضلة، والطعن فيهم ينتهي إلى ضرب هُوية الأمة، بل حتى علماء الضلالة في غالبهم كان سلوكهم عقائديًّا، ومنهم (أي المنتمين للأقسام الأربعة) من صار يبحث عن أكثر عالمٍ ضيَّق باب الحكم العقائدي، وحوَّل الأبحاث كلها من كوننا نبحث عن الصواب والخطأ إلى كوننا نحرِّر كلام هذا العالم، وبعضهم صار يتترَّس بأمور لها أصل في بعض الأبواب مثل باب (العذر بالجهل) ثم وسَّع فيه جدًّا توسيعًا ما كان يخطر على بال أحد حتى ينتهي إلى النتيجة التي يريد.
حتى وقع من بعضهم أمور لا تحسن، فمثلًا الإمام أحمد له كلام في الواقفة يفصل فيه، فينقله بعضهم على أنه كلامه في القائلين بخلق القرآن صراحة!
قال الخلال في السنة 1787 - وأخبرنا عبد الله، قال: سمعت أبي مرة أخرى يُسأل عن الواقفة، فقال: «من كان منهم يحسن الكلام، فهو جهمي»، وقال مرة أخرى: «هو شر من الجهمية».
علمًا أن هذه الرواية حتى بتحريفهم لها لا يطبقونها، فهناك رواية أخرى يقول فيها (أو صاحب حديث)، وكثير الْيَوْم لا يجهِّمون منكر العلو.
وعودًا على الموضوع الأصل، أصحاب الأقسام الأربعة بذلوا مجهودات كبيرة جدًّا في تسويغ مقالاتهم والانتصار لها، وارتكبوا أغاليطَ علمية كثيرة، بعضها متعمد وبعضها غير متعمد، ولكن حين يغلب هوى ما على القلب يصير يحرك المرء، كما قيل: حبُّك الشيءَ يعمي ويصم.
وقد أشاعوا شيئًا عظيمًا من الأخطاء بين العامة، وصار العامة يتلقونه بالقبول لمناسبته ثقافة العصر، ولولا ردودهم على بعضهم البعض لكان الأمر أسوأ، وخصوصًا أن بعضهم يشيع أكاذيبَ تاريخيةً فجةً ليُقنع الناس أن موقفه سلفي! هذا غير الاجتزاء بذكر مواقفَ صحيحة لعلماء تُوافق أفكارهم، مع كتمان مواقفَ أخرى لنفس العلماء تخالف هذا، وبعض من يصنع ذلك يظن نفسه سالمًا من وصمة الكذب والتدليس، ولكن حقيقةً هذا من أسوأ أنواع التدليس.
ومن أراد أن يُحقق الاتباع لطائفة قديمة ويقبل من أقوالها حتى ما لا يُناسب ثقافة العصر مثل الشدة على بعض الأخطاء الفقهية أو تكفير بعض الفرق الكلامية الغالية فإنه يُرمى من قوس واحدة من جميع هؤلاء، وإنما يُنصفه مَن طلب العلم وتجرَّد من أتباعهم أو مِن الشخصيات العلمية الشجاعة المستقلة أو المتدينة، وقد يجتمع هذا كله، والحق أن ذلك متحقق في كل الطوائف القديمة، فكلها لها مقالات تخالف الأقسام الأربعة ويرونها غلوًّا إلا نزرًا يسيرًا لا يكاد يُذكر.
وذلك الخوف المبالغ به من وجود غلو في التكفير أو الجرح أدَّى إلى ظهور بلايا في الغلو في التسامح أو عدم التكفير، فما عُرف في تاريخ الأمة أحدٌ يترحَّم على ملحد أو لا يكفر اليهود والنصارى إلا في زماننا لمَّا انتشر أصحاب هذه الأقسام الأربعة، نعم الغلو يُحارَب، ولكن أحكام السلف العلمية ليست غلوًّا، كما أن نصوص الصفات ليست تشبيهًا، بل الواقع أن الغلو بالتكفير بابُه في الغالب الاحتقان المتعلق بذهاب الحقوق الدنيوية، ولا يخفى تقاطع هذه الفكرة مع أصول الأقسام الأربعة وإن خالفوا في التفريع.
والأمر ليس خاصًّا بطائفة دون طائفة، فاليوم أصحابُ هذه الأقسام يفرضون على كلِّ الطوائف إقصاءَ جزء من خطابهم القديم الذي يَرَوْن فيه ضررًا حاضرًا، شأنهم شأن القوى العالمانية الصرفة التي تؤلِّه نفسها وتفرض عليك أن تترك وحي ربك لتتبع رؤاهم الخاصة، ثم يُقنعونك أن هذا ليس كفرًا بالله! هؤلاء يقولون اترك كذا وكذا من أصول مذهبك أو أقواله المعتبرة دون حجة قاطعة سوى إرهابنا، بل وشنِّع على كلام أئمتك إن وجدت من يأخذ به، ولا تخف أنت لا زلت من أهل هذا المذهب.