كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

في رحاب عقل سعيد بن المسيب وتقواه

المصدر
في رحاب عقل سعيد بن المسيب وتقواه قال غلام الخلال في زاد المسافر ( 3/ 202) :" [2377] وقال _ يعني الإمام أحمد _ في في رواية أبي الحارث : المهر على ما تراضى عليه الأهلون ، فالنكاح جائز على الدرهم والدرهمين ، ابن المسيب زوج ابنته على درهمين وهو من أشراف قريش " أقول : هذا الخبر اشتهر جداً أن سعيد بن المسيب زوج ابنته على درهمين لأحد طلبته وهو كان يصلح للخلافة وهو من أشراف قريش وقريش أعلى العرب وفي وقت سعيد ( وقت التابعين ) كان العرب أسياد الدنيا فقد أسقطوا ممالك فرس والروم وسادوا على كل الناس ومع ذلك نجد سعيداً خارجاً عن مقتضيات الكبر ويزوج ابنته زواجاً لا يزوجه من هم دونه وقد كان الخليفة يطمع بتزويج ابنة سعيد لابنه ولو قرأت رواية التزويج سعيد لابنته فسترى أن ابنة سعيد كان من أجمل الناس وأحسنهم أدباً وقد واسى بها سعيد تلميذه بعد وفاة زوجته ، وقد كان في زمانهم الجواري والتعدد سمح متيسر وتكاليف الزواج قليلة والطلاق لا يحمل فيه الرجل ما يحمل اليوم ومع ذلك كانوا يقدمون على التزويج بصداق أقل من الصداق اليوم وحالات الطلاق عندهم أقل بكثير وذلك أنهم لا يضبطون العشرة بمؤخرات صداق كبيرة أو تكاليف عظيمة للزفاف كما يظن أهل زماننا حتى إذا سألتهم عن سبب ذلك أجابوك بأنهم يخشون بأن يطلق الرجل سبحان الله إنك إذا أتبعت الناس الريبة أفسدتهم ، وقد صار لهذا أثر عكسي فصار الرجل يشعر بالغبن الشديد إذا رأى من زوجته أي تقصير محتمل ، وأما أمثال سعيد فكانوا يثقون بتنشئتهم لبناتهم ويعلمون أنهن إذا دخلن بيوت الرجال استولين على قلوبهم ولم يعد الرجل يعدل بهن شيئاً نعم صنيع سعيد متفرد جداً حتى في زمانه ولكن تيسي المهور بالجملة كانت حالة عامة ، وكيف لا يثق وهي التي أمها يذكر عنها قولها ( ما كنا نخاطب أزواجنا إلا كما تخاطبون الملوك ) هذا صنيع المرء العاقل الذي يعطي المقابل ما يريد فيحصل منه على ما يريد لا من ينظر إلى حقوقه دون واجباته وهذه موعظة للرجال والنساء معاً وإليك الرواية العجيبة في تزويج سعيد لابنته قال أبو نعيم في الحلية (2/167) : حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان، قال: ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، قال: ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: ثنا عمي عبد الله بن وهب، عن عطاف بن خالد، عن ابن حرملة، عن ابن أبي وداعة، قال: " كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياما فلما جئته قال: أين كنت؟ قال: توفيت أهلي فاشتغلت بها فقال: ألا أخبرتنا فشهدناها؟ قال: ثم أردت أن أقوم فقال: هل استحدثت امرأة؟ فقلت: يرحمك الله ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ فقال: أنا، فقلت: أوتفعل؟ قال: نعم، ثم حمد الله تعالى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وزوجني على درهمين أو قال: ثلاثة قال: فقمت ولا أدري ما أصنع من الفرح فصرت إلى منزلي وجعلت أتفكر ممن آخذ وممن أستدين فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي واسترحت وكنت وحدي صائما فقدمت عشائي أفطر كان خبزا وزيتا فإذا بآت يقرع فقلت: من هذا؟ قال: سعيد قال: فتفكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب فإنه لم ير أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد فقمت فخرجت فإذا سعيد بن المسيب فظننت أنه قد بدا له فقلت: يا أبا محمد ألا أرسلت إلي فآتيك قال: لأنت أحق أن تؤتى قال: قلت: فما تأمر؟ قال: إنك كنت رجلا عزبا فتزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك فإذا هي قائمة من خلفه في طوله ثم أخذها بيدها فدفعها بالباب ورد الباب فسقطت المرأة من الحياء فاستوثقت من الباب ثم قدمتها إلى القصعة التي فيها الزيت والخبز فوضعتها في ظل السراج لكي لا تراه ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران فجاءوني فقالوا: ما شأنك؟ قلت: ويحكم زوجني سعيد بن المسيب ابنته اليوم وقد جاء بها على غفلة فقالوا: سعيد بن المسيب زوجك؟ قلت: نعم وها هي في الدار قال: فنزلوا هم إليها وبلغ أمي فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام قال: فأقمت ثلاثة أيام ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل الناس وإذا هي من أحفظ الناس لكتاب الله وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعرفهم بحق الزوج قال: فمكثت شهرا لا يأتيني سعيد ولا آتيه فلما كان قرب الشهر أتيت سعيدا وهو في حلقته فسلمت عليه فرد علي السلام ولم يكلمني حتى تقوض أهل المجلس فلما لم يبق غيري قال: ما حال ذلك الإنسان؟ قلت: خيرا يا أبا محمد على ما يحب الصديق ويكره العدو قال: إن رابك شيء فالعصا فانصرفت إلى منزلي فوجه إلي بعشرين ألف درهم " قال عبد الله بن سليمان: وكانت بنت سعيد بن المسيب خطبها عبد الملك بن مروان لابنه الوليد بن عبد الملك حين ولاه العهد فأبى سعيد أن يزوجه فلم يزل عبد الملك يحتال على سعيد حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد وصب عليه جرة ماء وألبسه جبة صوف. وفي النوادر والنتف لأبي الشيخ أَن الخليفة أمهرها مائة ألف فأبى سعيد. = = وعلى ما وعدنا في بيان شيء من مناقب السلف حملة الدين سعيد هذا الذي جلده الخليفة وهو شيخ كبير كان أحمد وتلاميذه يرونه أفضل التابعين و قال عثمان الحارثى النحاس : سمعت أحمد بن حنبل يقول : أفضل التابعين سعيد بن المسيب . فقال له رجل : فعلقمة و الأسود ؟ فقال : سعيد بن المسيب و علقمة و الأسود . و قال على ابن المديني : لا أعلم فى التابعين أحدا أوسع علما من سعيد بن المسيب و قال أبو حاتم : ليس في التابعين أنبل من سعيد بن المسيب ، و هو أثبتهم فى أبي هريرة . أقول : وكفى بهذه الشهادات الثلاثة من هؤلاء الأئمة الكبار ، فهم يرونه أفضل وأعلم من الشعبي والنخعي ومكحول وابن سيرين والحسن البصري وعبيد بن عمير والأسود بن يزيد وعلقمة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم من هؤلاء الأخيار . ولو فضلوه على واحد من هؤلاء لكان في ذلك شهادة عظيمة له وبرهان قوي على سعة علمه وفضله فكيف وقد فضلوه عليهم جميعاً . وكان ابن تيمية يرى أن أهل المدينة أحسن الناس فقهاً في البيوع لأنهم أخذوا علم سعيد في ذلك وكان أعلم التابعين في البيوع وخلافاً لما يظن كثير من الشباب أن المجتهد المطلق مثل مالك ينظر في النصوص مباشرة فإن أئمة الإسلام بلا خلاف كانوا ينظرون أيضاً في علوم ومذاهب من تقدمهم ومن زعم أن مذاهب هؤلاء العلماء انقرضت ولم تحقق كما حققت مذاهب الأربعة فقد غلط فإن مذاهبهم تذكر في كتب الفقه القديمة المشهورة مثل كتب الشيباني والشافعي وأحمد ومصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق وكتب ابن المنذر وجامع الترمذي وغيرها من الكتب مع ذكر أدلتها ومآخذها وعلى هذا بنى ابن قدامة في المغني كلامه وغيره من الفقهاء فيما ينسبون لهؤلاء ولهذا قال السبكي أن مذاهبهم لم تحفظ رد عليه ابن تيمية بردود قوية في مسألة الطلاق وإن كنت مائلاً لقول الجمهور في الطلاق إلا أن السبكي لم يكن على مستوى مقارعة الشيخ ويا ليت شعري هذا الإمام الشافعي جمع كتاباً في فتاوى علي وابن مسعود التي خالفها أهل الرأي من أهل الكوفة ليسقط دعوى أنهم الامتداد التاريخي لهؤلاء ( وهذا الكتاب موجود في الأم ) ثم يأتي منتسب له ويقول لم تحفظ إلا مذاهب الأربعة ! لو كان الأمر كذلك ما تكلف الشافعي تبكيت أهل الرأي على مخالفتهم لمذاهب متقدمي الكوفيين ومع هذه الجلالة العظيمة لسعيد وتقديرهم له واعتبارهم إياه أفضل التابعين إلا أن سعيداً لما زل زلة فقهية ردها الجميع مع احترامهم له حتى انقرض قول سعيد وما عاد أحد يقول به وذلك قوله في المرأة التي طلقها زوجها ثلاثاً فتزوجها آخر ثم طلقها هل تحل للأول ؟ عامة أهل العلم يقولون لا تحل حتى يجامعها الثاني ويكون زواجه منها زواج رغبة وليس زواج تحليل ، وأما سعيد فقال تحل للأول بمجرد عقد الثاني عليها وطلاقه لها وإن لم يدخل بها بشرط ألا يكون يريد بذلك الحيلة والتحليل للأول فقط وتلاحظ أن قول سعيد هو الأيسر والأقرب للحيلة التي يريدها بعض الناس من هذا ومع ذلك الكل خالفه من كان يؤيد الحيل ومن يخالفها قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول إلا سعيد بن المسيب ثم ساق بسنده الصحيح عنه أنه قال: يقول الناس لا تخل للأول حتى يجامعها الثاني، وأنا أقول إذا تزوجها تزويجاً صحيحاً لا يريد بذلك إحلالها للأول فلا بأس أن يتزوجها الأول. قال ابن المنذر: هذا القول لا نعلم أحداً وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج وهذا لو تأملته تجده برهاناً على صدق المحدثين وتجردهم وتقاهم إذ يأتون إلى عالم من كبار علمائهم بل أفضل التابعين عندهم مطلقاً ويحفظون للناس زلته التي وافق فيها بعض الخوارج ويردون عليها وكان يمكنهم كتمها فهل ترى مثل هؤلاء يكتمون سنة ؟ وكل الناس خالفوا سعيد بسبب حديث هو خبر واحد وعضدته فتاوى الصحابة فعلم أن السنة كانت تنتشر بين الناس والكل يحتج بها ولا يمكن مكابرة بعض أسانيدها حتى أنها كانت تلغي قول العالم الفاضل المقدر من الجميع فيهجر الناس قوله بعد انتشارها ومع الأسف المتأخرون في كثير منهم على مخالفة طريقة الأوائل في هذا فتجدهم يجيزون التدين بزلة العالم الظاهرة إذا كان من مشاهير المتبوعين لكل الناس حتى من بلغته الأدلة وكان قادراً على النظر فظهر ما يسمى بالتعصب بل أدخل في ذلك أهل الرأي على كثرة مخالفتهم للأحاديث = = وتأمل سعيد على تقاه وشرفه وكان والده صحابياً وجده صحابي وكان معروفاً بتتبع أقضية عمر ومع ذلك كان كثير الرواية عن أبي هريرة وما ذلك إلا لما أدرك عليه الناس من توقير هذا الرجل والثقة بروايته ومطابقة عامة مروياته لكلام الراشدين الذين أدركهم سعيد وقد روي عنه : سمعت عليا، وعثمان رضي الله عنهما يستبان سبابا لا أحدث به أحدا أبدا ثم رأيتهما من العشي في ذلك المكان يضحك أحدهما لصاحبه. وهذا هو المعقول بعيداً عن خرافة العصمة فالصحابة الكرام على فضلهم بشر ويقع بينهم من الخلاف ما يقع ولكنهم يتجاوزون ذلك وتغلب سنين العشرة ساعة الغضب في غالب أحوالهم وقد قال بعض الكوفيين ساخراً من الشيعة : حدثناهم بما يقول الأخ لأخيه في الغضب فاتخذوه ديناً . ولا تظن أن السب بالمعنى المعروف عندنا من الفحش بل كل قول فيه تنقيص للآخر غير أن الكلام على سمت ذلك العصر فما نراه اليوم كلاماً هيناً هو في مقاماتهم يرونه سباً والشاهد أن سعيداً أدرك عثمان وعلياً وداخلهم وكان عالماً بأقضية عمر ومع ذلك أكثر عن أبي هريرة وما ذكر عنه أنه راجعه في أي حديث.