باب فيمن لم يعصم المنطق ذهنه من القياس الفاسد
باب فيمن لم يعصم المنطق ذهنه من القياس الفاسد
كتب الأخ الفاضل محمد ياسين ما يلي:
حول نقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الفلاسفة والمتكلمين.
شيخ الإسلام ابن تيمية إذا نقل عن الفلاسفة أو عن المتكلمين فإنه يتبع ذلك بالرد والنقض، مع الإشارة إلى الصحيح من ذلك، فلا يصح الاستشهاد بنقله في موضع النقل المجرد والتقرير المحض، في النقل عن الطوائف المخالفة للإسلام أو السلف بدعوى الموضوعية والحياد ونقل المذهب على وجهه، إذ المقصود في النهي عن تلك الكتب التقرير والنقل المجرد عن البيان.
قال ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية: قال المروذي: قلت لأحمد: استعرت كتابًا فيه أشياء رديئة، ترى أن أخرقه أو أحرقه؟ قال: نعم، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم بيد عمر كتابًا اكتتبه من التوراة، وأعجبه موافقته للقرآن، فتمعَّر وجه النبي صلى الله عليه وسلم حتى ذهب به عمر إلى التنور فألقاه فيه، كيف لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما صنف بعده من الكتب التي يعارض بعضها ما في القرآن والسنة؟ والله المستعان.
أقول: يبدو أن الأخ الكريم يرد على قياس بعضهم حين اعترض على من نقل كلام السلف في إتلاف كتب المبتدعة الضارة (ولهذا تقسيمات وتفصيلات ليس هذا محل بسطها)، ولكنه أمر معروف، وأصل الحكم حاضر حتى في كتب الفقه من جميع المذاهب، حتى أنك يمكنك أن تجمع رسالة علمية في (أحكام كتب أهل البدع)، من ناحية مشروعية وقفها وتوريثها والضمان بإتلافها وغيرها من الأحكام.
أصل هذا الاعتراض كان مبنيًّا على أن ابن تيمية ينقل كلام الفلاسفة والمتكلمين فهل نحرق كتبه؟
فجاء جواب الأخ محمد ياسين بما سبق.
وقد ذكرني هذا السجال بكلمة قرأتها في الاستقامة لابن تيمية، قال الشيخ رحمه الله:
"ولو كان كل من الشعر أو التلحين مباحًا على الانفراد لم يلزم الإباحة عند الاجتماع إلا بدليل خاص، فإن التركيب له خاصة يتعين الحكم بها.
وهذه الحجة بمنزلة حجة من قال إن خبر الواحد إذا لم يفد العلم عند انفراده لم يفد العلم مع نظائره ومع القرائن، فجحد العلم الحاصل بالتواتر.
وبمنزلة ما يذكر عن إياس بن معاوية أن رجلا قال له: ما تقول في الماء؟ قال: حلال، قال: والتمر؟ قال: حلال، قال: فالنبيذ [قال:] ماء وتمر.
فقال له إياس بن معاوية: أرأيت لو ضربتك بكف من تراب أكنت أقتلك؟ قال لا، قال: فإن ضربتك بكف من تبن أكنت أقتلك؟ قال: لا، قال: فإن ضربتك بماء أكنت أقتلك؟ قال: لا، قال: فإن أخذت الماء والتبن والتراب فجعلتهما طينا وتركته حتى جفَّ وضربتك به أقتلك؟ قال: نعم، فقال: كذلك النبيذ يقول إن القاتل هو القوة الحاصلة بالتركيب، والمفسد للعقل هو القوة المسكرة الحاصلة بالتركيب".
خلاصة كلام الشيخ أنه لا يقاس المفرد على المركب والمركب على المفرد دائمًا، بل بالعكس، قد يُنكَر المفرد ولا يُنكَر المركب، وقد يُنكَر المركب ولا يُنكَر المفرد.
وهكذا، الكتب التي ترد على كتب المبتدعة بذكر كلامهم ونقضه كيف تقاس على كتب المبتدعة المجردة؟
وهذا يشبه في الفقه مبحث (استحالة النجاسة)، بمعنى أن نجاسة يخالطها طاهر فتستحيل ويذهب عينها.
قال ابن قدامة في المغني: "وإنه متى علم أن النجاسة قد استحالت، فالماء طاهر، سواء كان قليلًا أو كثيرًا".
وهذا ما يرجى عند وجود ردود قوية على البدع، وإلا فهل يوجد عاقل يقيس منهاج الكرامة لابن الحلي على منهاج السنة لابن تيمية ويقول: إذا أفتيت بإتلاف منهاج الكرامة مجرداً فعليك بالإفتاء بحرق منهاج السنة!
ولا يصلح أن تعارض كلام السلف بكلام ابن تيمية، فالأصل الجمع، ومنهجية الإتيان بقراءة خاصة لكلام ابن تيمية وجعلها معارضًا لكل من جاء بكلام السلف هذه منهجية دارجة، وأصحابها مِن أضرِّ الناس على تراث الشيخ، لأنهم يصوِّرونه بصورة المخالف لسلفه من خلال أقيسة فاسدة واجتزاءات.