كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية حول الأصل الفلسفي لقاعدة ”أنت حر ما لم تضر“.
كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية حول الأصل الفلسفي لقاعدة ”أنت حر ما لم تضر“.
قال ابن تيمية كما في جامع المسائل المجموعة الثامنة صـ30 وهو يتكلم عن شبهات الإباحية:
”العاشرة: اعتقاد كثير من الفلاسفة أن الشرائع لمصحلة الدنيا، إذ الإنسان مدني بالطبع، فلا بد من قانون يقوم في معاوضته ومفاوضته، فيجعلونها بمنزلة السياسة الملكية، لكن سياسة الملك المقترنة بزمان ومكان مسلَّمة كولاية القاضي، وسياسة النبي أعم من ذلك بمنزلة فتوى الفقيه وقواعد أئمة المذاهب. وإذا كانت لمصلحة الدنيا فقط، فالمتخلي عن الدنيا لا يكثر منها، والداخل فيها إذا كان فاضلًا أمكنه أن يختص بما لا يضرُّ غيره. وعلى ذلك يتناولون يسير الخمر أو كثيرها أحيانًا، ويرتكبون بعض الفواحش سِرًّا.
فجماعهم في السمعيات على باطنٍ يخالف الظاهر، أو خصوصٍ من العموم، ولهذا يسمون الممتثلين للشريعة متمسكين بالظاهر“.
أقول: تأمل قول الشيخ ((الداخل فيها إذا كان فاضلًا أمكنه أن يختص بما لا يضرُّ غيره. وعلى ذلك يتناولون يسير الخمر أو كثيرها أحيانًا، ويرتكبون بعض الفواحش سِرًّا)).
هذه هي قاعدة أنت حر ما لم تضر تماماً وما ذكره من السماح بتناول يسير الخمر وبعض صور الفواحش دون بعض أشبه ما يكون بأحوال الغربيين اليوم، كثير من الناس يطلقون شبهات على الدين أو حتى يكفرون به لأنه لا يسير على قاعدة (أنت حر ما لم تضر) ولا يدرون أن هذه القاعدة أصلاً ناشئة عن قراءة محرفة للدين وهي قراءة هؤلاء الفلاسفة.
فهم افترضوا أن الدين جاء لإصلاح الدنيا ويقصدون بالدنيا الأمور المشتركة بين المؤمن والكافر من مأكل ومشرب ومنكح وملبس وسياسة وقضاء ونحوها وأنه ليس فيه شيء زائد على ذلك إلا ما كان وسيلة لذلك .
وهذا اختزال للدين ببعض معانيه لهذا تجد اليوم الكثير من الناس متمسكاً بالدين ولكن يقرأه قراءة مبنية على التسليم بقاعدة (أنت حر ما لم تضر) لهذا كل شيء خرج خارج عن هذه القاعدة يراه فضولاً كما ينظرون لأبحاث الأسماء والصفات والإيمان والقدر أو يراه تشدداً وحرصاً على القشور كما ينظرون للسنن الظاهرة والحرص على صور بعض العبادات والتحرز من البدع.
ومن الناس من يقبل من العادات والتقاليد ما لا يقبله من الدين لأنه استقر في نفسه أن العادات والتقاليد من بشر ونسير عليها مسايرة وإن لم يكن لها أسباب مقنعة، ولكنه لا يقبل أن يكون هذا الأمر في الدين إذا كان مخالفاً لقاعدة (أنت حر ما لم تضر ) ويقصدون بالضرر الحسي المباشر أو ما تأتي دراسات من الغرب تثبت فساده.
ولهذا تجدهم يوزعون تهم التشدد على كل من يروه يحرم أموراً لا يعقلون ضررها كما يقول بعض الناس في تحريم المعازف، ومن الباحثين من يبحث بحثاً شرعياً ولكنه يستغل النفس العام ليشنع على الخصوم.
ومن الناس من تجد عنده تناقض فتجده متشرعاً في بعض الأبحاث ومتفلسفاً في أبحاث أخرى ولا شك أن في الشريعة من إصلاح أمور الناس الشيء العظيم ولكن هذا ليس هو المقصود الأعظم بل المقصود الأعظم معرفة الله عز وجل وعبادته على بصيرة لهذا رتب من الأجر على الأذكار وعلى خشية الله عز وجل في الغيب والعبادات خالياً الشيء العظيم من أن ذلك لا ينتفع به الخلق في الغالب وإن كان له أثر عظيم على النفس ولكن الأجر ورد في النصوص بدون شرط أن يؤدي ذلك إلى إحسان إلى الخلق لاحقاً.
ومن الناس من يخالف هذا الأصل الفلسفي إذا خالف القطعيات من الدين ولكن يجعله مرجحاً في الخلاف ويحسب ذلك اعتدالاً وتوسطاً، ومنهم من يكون هذا الأصل الفلسفي هو ضابط الولاء والبراء عنده فمن خالفه في مسألة لا ينظر إلى أدلته الشرعية هل هي قوية أم لا بل ينظر إلى شدة منافرة قوله لهذا الأصل الفلسفي ثم ينطلق للتشنيع أو الاحتمال.
وأصلاً عامة من يردد هذا الأصل أو يتحاكم إليه دون ترديده لا يمكنه البرهنة عليه ولا يدري أنه رؤية عقدية يجب البرهنة عليها وليس مسلمة
فكثير منهم يظن أن الأمر الفلاني حق لأن الكافر والمسلم يتفقون عليه والأمر الفلاني ثانوي أو مشكوك فيه أو ينبغي أن يكون أمراً لا يعقد عليه الولاء والبراء لأن الناس اختلفوا فيه
وليس كذلك فمعاني الإيمان التي يدخل فيها الإنسان للجنة ومعاني الكفر التي تخلد المرء في الجحيم هي أمور يتنازع فيها الناس كثيراً ومع ذلك فيها حق وباطل.
في زمن ابن تيمية كان الناس منظمين يعطيك الأصل الفلسفي ثم يفرع عليه ويحاول الاستدلال للأصل والفرع اليوم الأمر بالمقلوب يعطيك خلاصة الرؤيا الفلسفية على أنها برهان مستقل ومسلمة من الأساس ولا ينتبه لهذا كثير من الرادين على الشبهات فتطول النقاشات دون جدوى وكثير منهم علاجه يزيد المرض مرضاً.