كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

فذلكة سعيد فودة في نصرة التجهم

المصدر
فذلكة سعيد فودة في نصرة التجهم استمعت لبعض مكالمة الشيخ محمد شمس الدين مع شيخ الأشعرية سعيد فودة حول مسألة القرآن، والتي اعترف فيها الأخير بحقيقة عقيدة القوم في القرآن الذي بين أيدينا، وأنه مخلوق كعقيدة الجهمية الأولى. وهذا ليس مستغرباً فقد صرح بذلك كثيرون ممن تقدم منهم أو تأخر. غير أن المستغرب فذلكة الرجل في نفيه أن القرآن الذي بين أيدينا كلام الله خلافاً لظاهر النصوص وعقيدة عامة المسلمين، مستدلاً بذلك بأغلوطة سخيفة وهي قوله أن الله عز وجل لا يكلف العباد أن يأتوا بشيء كصفته لأنه من المحالات، وإنما يكلفهم بالممكنات! يعني إتيان الخلق بكتاب ككلام الله ممكن عنده عقلاً! وهذه بلية عظمى. ورب العالمين ما كلف الناس أن يأتوا بكتاب كالقرآن على جهة طلب الحصول، وإنما أمر بذلك من كذب بالقرآن ليبين لهم عجزهم، ثم التكليف بالإيمان بهذا الكتاب واتباع ما فيه. فهم لما كابروا ألزموا بهذا لبيان عجزهم. ولهذا نظائر، ففي السنة من حديث أبي هريرة: قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة. قال الله عز وجل : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ. وهذا لبيان العجز وهو عند سعيد فودة مستبعد! وتكليف بالمحال، مع أن العباد عنده لا قدرة لهم أصالة وإنما الله هو الفاعل حقيقة. وقال تعالى: {قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون} ومن أركان إعجاز القرآن إخباره بالغيبيات المستقبلية والماضية، مما لا يطلع عليه مخلوق أو لا يمكن للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون مطلعاً وعليه، ويكشف لاحقاً، فتكون الآية، وكان السلف يستدلون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق بأنه من علم الله تكلم به سبحانه. وعلى طريقة سعيد فودة هذا تكليف بالمحال، لأن العلم صفة الله، فكيف يكلف الخلق بأن يأتوا بشيء من صفته. وكذلك الأمر مع المعجزات فهي من آثار قدرة الله عز وجل، وفي مذهب الأشعرية الله هو الفاعل حقيقة. وهو مع كثرة كلامه في العقليات لا يفرق بين المحال لذاته والمحال لغيره. وقد صرح بعض متقدمي الأشعرية بأن القرآن الذي بين أيدينا ليس معجزاً. قال الآمدي في غاية المرام ص107: "وأما ما قيل من أَن القرآن معجزة الرسول فَيمْتَنع أَن يكون قَدِيما فتهويل لَا حَاصِل لَهُ فَإنَّا مجمعون على أَن الْقُرْآن الحقيقى لَيْسَ بمعجزة الرَّسُول". وقد تناقض الآمدي حين أراد إثبات النبوة. قال ابن حزم في الفصل معلقاً على هذه الدعوى: "أينتظر كفر بعد هَذَا الْكفْر فِي تصريحه أَن الْعباد وَالْعرب لَا يجوز أَن يعْجزُوا عَن مثل الْقُرْآن". قال عبد الله بن أحمد في السنة 179 - حَدَّثَنِي ابْنُ شَبُّوَيْهِ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: «مَنْ قَالَ شَيْءٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَخْلُوقٌ عِلْمُهُ أَوْ كَلَامُهُ فَهُوَ زِنْدِيقٌ كَافِرٌ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ وَيُجْعَلُ مَالُهُ كَمَالِ الْمُرْتَدِّ وَيُذْهَبُ فِي مَالِ الْمُرْتَدِّ إِلَى مَذْهِبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ» سَأَلْتُ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ قُلْتُ: إِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: لَفْظُنَا بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، فَقَالَ: " هُمْ جَهْمِيَّةٌ وَهُمْ أَشَرُّ مِمَّنْ يَقِفُ, هَذَا قَوْلُ جَهْمٍ، وَعَظَّمَ الْأَمْرَ عِنْدَهُ فِي هَذَا، وَقَالَ: هَذَا كَلَامُ جَهْمٍ"، وَسَأَلْتُهُ عَمَّنْ قَالَ: لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ، فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَتَّى أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي» وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةُ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ». أقول: وأصل كل بلائهم نفيهم أن يفعل الله ما شاء متى شاء، فنفوا كلامه ثم اضطروا إلى هذا البلاء. وهو لو فهم أمر القدر المشترك وأن الله يتكلم والعباد يتكلمون ولكن الكلام ليس كالكلام مع وجود قدر مشترك لا يقتضي التشبيه لفهم وجه التحدي فالمعارضة ممكنة ولكنها ستكون فاسدة فهو انطلق لنفي الكلام بكلام مبني على أصله في نفي القدر المشترك فظهر أنه يستدل لمقالته بنفسها وهذا دور وسفسطة .