المفعول لأجله وتضييق باب العذر
المفعول لأجله وتضييق باب العذر
قال تعالى: {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}
قوله تعالى في الذين جاءهم الكتاب قبلنا {وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم}
يُرجِع سبب اختلافهم إلى (البغي)، فقوله "بغيا بينهم" مفعول لأجله، ومعناه أن سبب اختلافهم ليس غموض الحق، بل وصَفَ الله عز وجل كتابهم بالحق والبينات، وإنما ذلك راجع لهم لأنهم بغاة ظلمة.
والبيان الذي في القرآن أعظم من البيان الذي في الكتب السابقة، وفصله الحق أظهر وأعظم، وعلماء هذه الأمة أعظم بياناً للحق وإقامة للحجة من علماء كل الأمم.
وقد قال النبي ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة".
فكما أن الأوائل ما اختلفوا إلا بغياً مع وضوح الحق، فكذلك في هذه الأمة عامة خلاف الناس في الأصول العظام لا عذر فيه للمخالف، إذ لا يوجد شيء اسمه عذر بالبغي.
فإن قيل: هذا في الرؤوس، أما الأتباع فهم مساكين معذورون.
فيقال: قد ذم الله الأميين الذي لا يعلمون الكتاب إلا أماني، وذكر تجادل أهل النار الأتباع والرؤوس، وقول الرؤوس للأتباع "لو هدانا الله لهديناكم"، وهذا جدالهم وهم في النار.
وفي حديث حذيفة في الصحيحين يقول النبي ﷺ لما سئل عن الدخن: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها».
فلو كان التابع والمقلد لا إثم عليه مطلقاً لما قال النبي ﷺ فيمن أجاب الدعاة "قذفوه فيها".
وقد رأيت بعض الناس ينسب لي زوراً تكفير المئات من العلماء، ويعني تلك الشرذمة من دعاة الشرك والتجهم الذين جعلوهم مئاتٍ بالتشهي والهوى.
وهم مقرُّون معي أنهم واقعون في الشرك أو التجهم الذي كفَّر به السلف، فكيف مئات وعلماء وما أقام عليهم القرآن والسنة الحجة، ولم تُقِم الطائفة المنصورة وورثة الأنبياء الحجة عليهم ولا هم استجابوا للحق بعدما عرفوه؟ أعَمِيَت عليهم البينات وما استجاب الله دعواتهم (اهدنا الصراط المستقيم)؟
والمسائل التي خالف فيها هؤلاء أهل السنة عندنا وعندهم هي أصل الأصول، ومع كل فريق منا جمع من المشاهير، ولكننا نمتاز بأن معنا السلف، وعامة الناس على ما نعتقد في الصفات، فعقيدة التعطيل عسيرة على العامة باعترافهم.
وقد قال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول}
فإما أن يكون الناس قد طبقوا هذه الآية وما انتفعوا منها بشيء إذ بقي الحق غامضاً، وتعالى الله عن ذلك.
وإما أن يكونوا طبقوا واستبان الحق وهناك من عاند، أو يكون منهم من طبق ومنهم لم يفعل، وهذا الأظهر.
وقد قال تعالى: {وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} وحكم كتاب الله واضح، وأما من يقول (أعوِّل على العقل وأما النقل فأحرِّفه) فقد عارض هذه الآية، إذ لم يتحاكم إلى الكتاب، وقريب منه من زعم أنه ليس في الكتاب كفاية لبيان الحق وظهوره حتى خفي الحق على مئاتٍ من الأذكياء الأزكياء بزعمهم مع أنهم بكل جوارحهم أرادوا الحق، وما استطاع العلماء الذين اهتدوا أن يبيِّنوا لهم الحق مع أنهم من أذكى الناس وأحسنهم بياناً! فتأمَّل هذا وأطِل التأمل!