كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

حين يفطن الفقيه للأخوَّة في ثنايا الكلام عن الحقوق...

المصدر
حين يفطن الفقيه للأخوَّة في ثنايا الكلام عن الحقوق... قال أبو داود في سننه: "باب في الرهن ٣٥٢٦- حدثنا هناد، عن ابن المبارك، عن زكريا، عن الشعبي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لبن الدَّر يُحلب بنفقته إذا كان مرهوناً، والظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويحلِب النفقة»، قال أبو داود: وهو عندنا صحيح. ٣٥٢٧- حدثنا زهير بن حرب، وعثمان بن أبي شيبة، قالا: حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، أن عمر بن الخطاب، قال: قال النبي ﷺ: «إن من عباد الله لَأُناساً ما هم بأنبياء، ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة، بمكانهم من الله تعالى» قالوا: يا رسول الله، تخبرنا من هم؟ قال: «هم قوم تحابوا برُوحِ الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لَنورٌ، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس» وقرأ هذه الآية {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [يونس: ٦٢]". أقول: أبو داود هنا بوب "باب الرهن" وأورد حديثاً عن الرهن، ثم فجأة أورد حديثاً في فضل الأخوَّة في الله والمحبة في الله، فما علاقة هذا بالرهن؟ فالجواب -والله أعلم- : أن عقد الرهن عقدٌ توثيقي بين الناس، تأخذ رهناً لتضمن إرجاع مالك، ولو ضاع الرهن فإنه يعفو ويسامح تفضلاً لحق الأخوَّة، وربما كان الإحسان بمثل هذا مبدأ أخوَّة تُحقق ما في الحديث، وأن أهل الإيمان إذا استقرت بينهم الأخوَّة والمحبة في الله لم يحتاجوا إلى مثل هذا، فترى المرء منهم يسعى في نفع أخيه ويعذره ويقيله إن حصل له تعذُّر أو تعسُّر. وقد وردت أخبار في فضل الأخوَّة في الله كهذا الخبر، حيث ذُكر أن الأنبياء والشهداء يغبطونهم، فصلاة الجماعة فيها تحقيقٌ لمعنى الأخوة والاجتماع، والزكاة والصدقة فيها تحقيق لمعنى الأخوة والتكافل، والصيام فيه شعور بعضهم ببعض؛ وثواب من فطر صائماً؛ وزكاة الفطر، وفي الجنائز يوجد التعزية والصلاة على الميت رجاء المغفرة له، والحج فيه اجتماع وتآخي، والجهاد إنما يقوم بالبنيان المرصوص، وأولئك أخوة متآلفون. وحتى في أمر البيوع ورد الخبر في فضل من أقال مسلماً (يعني سمح له بفسخ البيع بعد ثبوت حقه فيه). وإن الأخوَّة من النعيم العاجل، أمر له ثواب عظيم عند الله، وأُنس في الدنيا، ثم إنك إن أحببت أخاً في الله هان عليك تفريج كَرْبه؛ لمحبتك له، ومع ذلك تُثاب على تفريج كربته يوم القيامة، وهذا من أعلى مظاهر الرحمة وتمام الخير للمرء المسلم. نسأل الله -عز وجل- ألَّا يحرمنا من فضله.