كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

مراتب الشذوذ الفقهي

المصدر
مراتب الشذوذ الفقهي قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (20/ 310): "وكان أحمد يكره أن يرد على أهل المدينة كما يرد على أهل الرأي ويقول: إنهم اتبعوا الآثار. فهذه مذاهب جمهور الأئمة توافق مذهب مالك في الترجيح لأقوال أهل المدينة". هذه عبارة دقيقة، ومن يعرف موقف أهل الحديث في ذلك الزمان من أهل الرأي يعلم أن هذه العبارة على الأصول. الذي أريده من نقل هذه العبارة أن الخطأ الفقهي المجزوم به ليس على مرتبة واحدة، وهناك فرق بين من يكون خطؤه على جهة التدين وظن الاتباع ومن يكون خطؤه على جهة تتبع الرخص والتلفيق والذوبان في الثقافة الليبرالية. قد كثر الحديث في الأيام الماضية عن اختيارات فقهية وقعت لبعض المعاصرين من المنتسبين للسلفية، كقول بعضهم بأن ركعات التراويح لا تزيد على 11 ركعة، وقوله أن للعيد خطبة واحدة وأن الاستمناء في نهار رمضان لا يفطر وغيرها. ونقْدُ هذه الاختيارات أمر مرحَّب به، بل أنا في دروسي ومقالاتي كثيرًا ما أنتقد هذه الأقوال ونظائرها لأنها تخالف قول عامة أهل العلم، غير أن البعض ارتكب عدة أمور بعضها مشين وبعضها غلط علمي عند نقد هذه الاختيارات: أولها: ربطهم بين هذه الاختيارات ونقد (الوهابية)، علمًا أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأولاده وأحفاده وتلاميذه لا علاقة لهم بهذه الاختيارات، بل عدد منها كان عامة السلفيين المعظمين للشيخ هم أول من رد على أصحابها وناقشهم. ثانيها: قول بعضهم في هذه الاختيارات معلِّلًا ردها بأنها (خلاف معتمد المذاهب الأربعة)، والواقع أن بعضها خلاف الإجماع أو خلاف مذاهب المجتهدين عامة إلا بعض الظاهرية. (معتمد المذاهب الأربعة) يقابله أقوال في المذاهب نفسها ولكن لم تُعتمد، ويقابله أقوال لأئمة مجتهدين وأقوالهم قوية، فليس من الإنصاف أن توضع أقوال هؤلاء مع اختيارات شاذة هي تخالف الإجماع على التحقيق ولكن من قال بها غفل عن هذا الإجماع. على سبيل المثال: قال الترمذي في جامعه: "وقال بعض أهل العلم: الحامل، والمرضع، تفطران وتقضيان وتطعمان. وبه يقول سفيان، ومالك، والشافعي، وأحمد. وقال بعضهم: تفطران، وتطعمان، ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا، ولا إطعام عليهما، وبه يقول إسحاق". قول إسحاق هذا خلاف معتمد المذاهب الأربعة، ولكن إسحاق إمام مجتهد كان أحمد يحيل عليه ولا يضاهيه في الحفظ من الأربعة إلا أحمد، وقوله هذا مروي عن اثنين من الصحابة، فهذا الاختيار لا يجوز أن يوضع مع أقوال قال بها بعض الظاهرية أو شذ بها بعض المعاصرين أو المتأخرين وسر المسألة أن الإجماع القديم محل تعظيم عند أناس من غير المتمذهبين بمذهبية المعتمد عند المتأخرين وهؤلاء كان لهم ردود على هذه الاختيارات معروفة. =