كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

استدراك على إمام المفسرين

المصدر
استدراك على إمام المفسرين من الشبهات الباردة التي يشيعها بعض المنصرين دعوى أن اسم الرحمن أول من تسمى به مسيلمة الكذاب وقد رد غير واحد على هذه الدعوى من وجوه عديدة وقد عرض الطبري في تفسيره لدعوى أن العرب لم يكونوا يعرفون اسم الرحمن عند قوله تعالى : ( قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا ) فقال :" وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف "الرحمن"، ولم يكن ذلك في لغتها ولذلك قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: (وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا) [سورة الفرقان: 60] ، إنكارا منهم لهذا الاسم، كأنه كان محالا عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته، أو: لا وكأنه لم يتل من كتاب الله قول الله (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه) - يعني محمدا - (كما يعرفون أبناءهم) [سورة البقرة: 146] وهم مع ذلك به مكذبون، ولنبوته جاحدون! فيعلم بذلك أنهم قد كانوا يدافعون حقيقة ما قد ثبت عندهم صحته، واستحكمت لديهم معرفته. وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهلاء: ألا ضربت تلك الفتاة هجينها ... ألا قضب الرحمن ربي يمينها وقال سلامة بن جندل السعدي: عجلتم علينا عجلتينا عليكم ... وما يشإ الرحمن يعقد ويطلق" وعلق الأستاذ أحمد شاكر بقوله:" لم أجد قائل البيت. واستشهد به ابن سيده في المخصص 17: 152، وعلق على البيت محمد محمود التركزي الشنقيطي، وادعى أن البيت مصنوع، وأن "بعض الرجال الذين يحبون إيجاد الشواهد المعدومة لدعاويهم المجردة، صنعه ولفقه، وأن الوضع والصنعة ظاهران فيه ظهور شمس الضحى، وركاكته تنادي جهارا بصحة وضعه وصنعته، والصواب وهو الحق المجمع عليه، أن الشاعر الجاهلي المشار إليه، هو الشنفرى الأزدي، وهذا البيت ليس في شعره"، وأنه ملفق من قول الشنفرى: ألا ليت شعري، والتلهف ضلة ... بما ضربت كف الفتاة هجينها والشنقيطي رحمه الله كان كثير الاستطالة، سريعا إلى المباهاة بعلمه وروايته. والذي قاله من ادعاء الصنعة لا يقوم. وكفى بالبيت الذي يليه دليلا على فساد زعمه أن الدافع لصنعته: إيجاد الشواهد المعدومة، لدعاوى مجردة. وليس في البيت ركاكة ولا صنعة" وكان قد علق في حاشية فوقها بقوله :" لا يزال أهل الغباء في عصرنا يكتبونه، ويتبجحون بذكره في محاضراتهم وكتبهم، نقلا عن الذين يتتبعون ما سقط من الأقوال، وهم الأعاجم الذين يؤلفون فيما لا يحسنون باسم الاستشراق. ورد الطبري مفحم لمن كان له عن الجهل والخطأ رده تنهاه عن المكابرة" ثم إنني وقفت على أبيات جاهلية تذكر اسم الرحمن في مصدر عزيز ألا وهو كتاب لأبي الحسن علي بن محمد بن المطهر العلوي اسمه الأنوار ومحاسن الأشعار حيث قال :" يوم سفح متالع وهو يوم لبني تغلب على بني تميم أغار علقمة بن سيف بن شراحيل بن معشر بن مالك بن جشم بن بكر، على أخلاط تميم فلقيهم بسفح متالع: جبل مما يلي الحجاز، وكان مقاده إليهم قريبا من شهر، فلما التقوا نادت تميم: يال خندف. ونادت تغلب: يال تغلب، وتعاظم الشر بينهم، وثبتت أخلاط تميم وبنو سعد، حتى أسرع القتل فيهم وحمل ابن قوزع الكسري كسر بن كعب بن زهير بن جشم بن بكر على خيثمة السعدي، وكان فارس بني سعد، فصرعه، وأفلت الحارث بن الأضبط بطعنة مات منها بعد، وأجليت تميم عن الدار بعد قتل كثير، وأصابت بنو تغلب النساء والأموال والأسرى، ولم يبق أهل بيت في تميم إلا وقد أصيبوا بمصيبة، وقال ابن قوزع الكسري في ذلك: لعمرك ما قاد الجياد على الوغى ... مقاد ابن سيف فارس الخيل علقمه أباح تميما يوم سفح متالع ... بخيل كأمثال القداح مسومه أصاب بها شهرا على كل علة ... لها من تشكيها أنين وحمحمه فأوردها قبل الصباح متالعا ... صحاحا فجالت في العجاج مكلمه يخوض لظاها عصبة جشمية ... لها تحت نقع الخندفيين غمغمه وكنا أناسا لا نرى القتل سبةومن تغلب الغلباء في الناس جمجمه ثم إن علقمة بن سيف أعتق النساء وحملهن إلى قومهن قبل أن يصل إلى بلاده، فقالت امرأة من بني مجاشع: جزى الرحمن علقمة بن سيف ... على النعماء خير جزا مثاب عن آل مجاشع وبني فقيم ... وأحياء البراجم والرباب وحيي نهشل وسراة سعد ... بسفح متالع ولوى إراب جززت نواصيا منا فراحت ... نساء الحي طاهرة الثياب وأطلقت العناة وكان يوما ... يغص الشيخ منه بالشراب فأنت المرء تشكر نعمتاه ... علينا ما بدا وضح السراب" الشاهد قولها :( جزى الرحمن علقمة بن سيف ) ولا يختلف الناس أن عامة الوقائع بين تميم وبني تغلب كانت في الجاهلية والمذكور في الأبيات والقصة ككل أخلاق الجاهلية ظاهرة فيها فالمسلمون لا يسبي بعضهم بعضاً ويقوي صحة الأبيات ارتباطها بقصة وبشخصيات تاريخية ومعركة والشخصيات المذكورة كلها جاهلية بدليل عدم ذكرها في المصادر الإسلامية التي عنيت بالترجمة للأعلام الإسلاميين وهذه فائدة اغتبطت بها جداً إذ فيها تعضيد كلام الطبري ودحض كلام المعترضين واجتثاث الشبهة من أصولها.