الخلفاء الراشدون وقوله تعالى {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسن
الخلفاء الراشدون وقوله تعالى {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين}
من موارد العلم التي تستحق الجمع تطبيقات الصحابة لآيات القرآن الكريم، وخُلُق كظم الغيظ له مظاهر، من أدقِّها حين يكون الطرف المقابل مخطئاً في حقك ومستحقاً للعقوبة وأنت قادر على إنفاذ العقوبة به، فهنا الكظم أو العفو يكون في أعلى حالاته، وقد وجدتُ مواقف للخلفاء الراشدين الأربعة في هذا المقام.
فأولاً: أبو بكر رضي الله عنه:
قال أحمد في مسنده: "54- حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن توبة العنبري، قال سمعت أبا سوار القاضي، يقول عن أبي برزة الأسلمي، قال: أغلظ رجل لأبي بكر الصديق، قال: فقال أبو برزة: ألا أضرب عنقه؟ قال: فانتهره وقال: «ما هي لأحد بعد رسول الله ﷺ»".
هذا خبر صحيح وقد خرجه جمع، فتأمل أن هذا الرجل أساء لأبي بكر، وأبو بكر أمير ومغتاظ منه، وهو قادر على إنفاذ غيظه بحكم الإمارة وحكم إساءة الرجل، غير أن الصديق وقف عند حدود الله عز وجل، ونبَّه أبا برزة أنَّ ضرب العنق في السب إنما هو لرسول الله ﷺ، ولو كان غير الصديق أو الصحابة لقال إن هيبة الإمارة تقتضي أن يعاقَب هذا الشخص أشد العقوبة، وما أكثر ما يُخرج أصحاب السلطان غيظ صدورهم مخرج الحِفاظ على الأمن والسِّلم العام.
ثانياً: عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
روى البخاري فيه صحيحه خبراً من طريق ابن عباس وفيه أن رجلاً قال لعمر: "هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199]، وإن هذا من الجاهلين، «والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافا عند كتاب الله»".
فهنا عمر كظم غيظه مع أن الرجل ظلمه، وقد كان عمر أميراً وفقيهاً فهو قادر على أن يوجد الذريعة العلمية ويطبقها في شفاء غيظه من الرجل، ولكنه آثر أن يكظم غيظه.
ثالثاً: عثمان بن عفان رضي الله عنه:
قال سعيد بن منصور في سننه [2937]: "حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: دخلت على عثمان يوم الدار فقلت: يا أمير المؤمنين أما ضراب؟
فقال لي: يا أبا هريرة أيسرك أن تقتل الناس جميعا وإياي معهم؟
فقلت: لا، فقال: والله لئن قتلت رجلا واحدا، لكأنما قتلت الناس جميعا فرجعت فلم أقاتل".
وهذا خبر صحيح، وهذا المعنى تواتر عن عثمان أنه كان ينهى الناس عن القتال دونه، مع أن القوم ظلموه وتعدوا على حرمته وهو أمير وله محبون وأنصار، وهذا من أجلى ما يكون في الحلم وكظم الغيظ.
رابعاً: علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
قال الشافعي في «الأم» [4/224]: "أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي فاختة: أن عليا رضي الله تعالى عنه أتى بأسير يوم صفين فقال لا تقتلني صبرا فقال علي: لا أقتلك صبرا إني أخاف الله رب العالمين، فخلى سبيله، ثم قال: أفيك خير أتبايع".
وهذا خبر صحيح، وهذا أسير من الأعداء كان يضاربهم بالسيف قبلها، ولو شاء لأنزل به العقوبة وتعلَّل بعلل تُقنع، خصوصاً وأنه محارب.