كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الانتقال من التملق إلى تبرير التعصب...

المصدر
الانتقال من التملق إلى تبرير التعصب... مفهوم تماما أن يجد المرء في نفسه حرجا عند الحديث عن خلافيات أهل الرأي وأهل الحديث، وذلك أن ثقافة التجميع هي السائدة في زماننا لأسباب كثيرة ليس هذا محل بسطها. وصار من المعتاد أن ترى باحثا يمارس التسطيح في المسألة تملقا للتجميعيين وأهل الرأي، أو يكتم كثيرا مما يكدر عليه ما يريد، ويظهر فقط ما يوافق الهوى. غير أن المزعج حقا أن يتم إظهار روايات مكذوبة وباطلة تخالف الصحيح المتواتر عن الإمام المعزو إليه الكلام، ثم إنك إن تدبرت في هذا الكلام وجدته مغذيا للتعصب. وهذا الأسلوب الذي يتبعه كثيرون في التعاطي مع هذا الملف لا يرضاه مسلم ولا كافر، ولو ذهب إلى أكاديمية أهلها ليسوا مسلمين ولكنهم يحترمون البحث العلمي النزيه والعميق لرسب عندهم. فما بالك بنا نحن أهل الإسلام الذين نعتقد أن الله عز وجل ساءلنا عن كل هذا، والله المستعان. قال الخطيب البغدادي في تاريخه أخبرنا الحريري علي بن عمرو، أن علي بن محمد النخعي حدثهم، قال: حدثنا نجيح، يعني: ابن إبراهيم، قال: حدثنا ابن كرامة، قال: كنا عند وكيع يوما فقال رجل: أخطأ أبو حنيفة، فقال وكيع: كيف يقدر أبو حنيفة يخطئ ومعه مثل أبي يوسف، وزفر في قياسهما، ومثل يحيى بن أبي زائدة، وحفص بن غياث، وحبان، ومندل في حفظهم الحديث، والقاسم بن معن في معرفته باللغة العربية، وداود الطائي، وفضيل بن عياض في زهدهما وورعهما؟ من كان هؤلاء جلساؤه لم يكد يخطئ؛ لأنه إن أخطأ ردوه. أقول: هذه الرواية رأيت بعضهم ينشرها لما رأى بعض الباحثين نشر مضمونها، وهي رواية فقط العوام ومن يشبههم يصدقونها وإلا من عنده أدنى معرفة عن تاريخ أهل الرأي وأهل الحديث وعلم الرجال والجرح والتعديل يجزم بأن معظم فقرات تصيح عليها بأنها كذب، ولكن الأخطر في الرواية أن فيها استبعاد أن يخطيء أبو حنيفة! وهو بشر ليس معصوما والخطأ عليه وعلى من هو أكبر منه وارد، واليوم الكل يعرف شدة تعصب الكثير من الحنفية فنشر مثل هذا بينهم فتنة لهم مع أن الخبر كذب، وقد يعصب البعض جناية الخبر في نجيح بن إبراهيم الذي له ترجمة في لسان الميزان، غير أن علي بن محمد النخعي الذي له كتاب بالطعن في الإمام الشافعي انفرد بالكثير من الروايات الغريبة في مدح أبي حنيفة والتي تجد متونها تخالف المشهور عن الأئمة. وكون هذه الرواية من منكرة من وجوه: أولها: تواتر عن وكيع بن الجراح نقده لأبي حنيفة، وهذا النقد بعضه موجود في جامع الترمذي أحد أشهر دواوين الإسلام. أ_ قال البخاري في جزء رفع اليدين: "ولقد قال ابن المبارك: كنت أصلي إلى جنب النعمان بن ثابت فرفعت يدي فقال: ما خشيت أن تطير؟ فقلت إن لم أطر في الأولى لم أطر في الثانية قال وكيع: رحمة الله على ابن المبارك كان حاضر الجواب فتحير الآخر ، وهذا أشبه من الذين يتمادون في غيهم إذا لم يبصروا". هنا وكيع يثني على رد ابن المبارك على أبي حنيفة (النعمان بن ثابت) في مسألة رفع اليدين، وقد أسند البيهقي هذا الخبر. ب_ قال الترمذي في جامعه 906 : حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس، «أن النبي صلى الله عليه وسلم قلد نعلين، وأشعر الهدي في الشق الأيمن بذي الحليفة، وأماط عنه الدم» وفي الباب عن المسور بن مخرمة.: «حديث ابن عباس حديث حسن صحيح» وأبو حسان الأعرج: اسمه مسلم «والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم» ، «يرون الإشعار وهو قول الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق» سمعت يوسف بن عيسى يقول: سمعت وكيعا يقول حين روى هذا الحديث، فقال: «لا تنظروا إلى قول أهل الرأي في هذا، فإن الإشعار سنة، وقولهم بدعة» . وسمعت أبا السائب يقول: " كنا عند وكيع، فقال لرجل عنده ممن ينظر في الرأي: أشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول أبو حنيفة هو مثلة؟ قال الرجل: فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال: الإشعار مثلة، قال: فرأيت وكيعا غضب غضبا شديدا، وقال: أقول لك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول قال إبراهيم، ما أحقك بأن تحبس، ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا" =