حتى مع إمام أهل الرأي، الإسناد من الدين...
حتى مع إمام أهل الرأي، الإسناد من الدين...
عبارة ابن المبارك الشهيرة بين طلبة العلم "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". ومما تميز به السلفيون في السنوات المتأخرة كثرة التنبيه على الأحاديث المشتهرة المنكرة والباطلة، وحتى القصص التي لا تصح. نعم توسع عدد منهم حتى دفعوا الضعيف المحتمل، ولكن الجهود كان لها الكثير من الآثار الإيجابية.
والحديث الذي ينفرد به كذاب أو تثبت نكارته لا يجوز نشره، وإن كنا نقول بالمتن ضمنًا استفادة من أدلة أخرى.
ومن الأمور الملاحظة في موضوع النقاش عن إمام أهل الرأي أن هناك استرواحًا لنشر كل ما قيل في مدحه مهما كان الإسناد واهيًا مع التعنت مع ما قيل في ذمه.
ومهما كانت النتيجة النهائية عندك في البحث فلا يجوز أن تنسبَ لإمام من الأئمة كلامًا ما قاله رواه عنه وضَّاع أو رُوِي عنه بغير إسناد في المصادر المتأخرة وتتركَ الروايات الثابتة في ذمه في الكتب المتقدمة عن الإمام نفسه.
فمعقول تمامًا أن تسكت عن البحث مراعاةً لمصلحة تراها، ولكن ليس معقولًا أن تنشر أمورًا لا تثبت ورواها وضَّاعون وتعارض الذي رواه الثقات. فلو كان الراوي للمدح أو الذم ضعيفًا وعارضه ضعيف مثله لما جاز أن تذكر إحدى الروايتين دون الأخرى من باب الأمانة العلمية.
فما بالك والرواية التي تأتي بها في سندها كذاب والرواية التي تُعرِض عنها كل إسنادها ثقات ولها عواضد. وأنا أعلم جيدًا أن الكلام في أحاديث الصحيحين اليوم أهون من الكلام في المناقب المشتهرة عن إمام أهل الرأي، ولا حول ولا قوة إلا بالله، حتى وجدت عددًا من متأخري المؤرخين يتسامحون في إيراد أمور لا تليق بالصحابة وهي لا تثبت، ويهابون في شأن إمام أهل الرأي لمَّا كان القضاء في يد أصحابه والله المستعان.
وسأضرب هنا أمثلة:
المثال الأول: قال مسعر بن كدام: من جعل أبا حنيفة بينه وبين الله رجوت أن لا يخاف ولا يكون فرط في الاحتياط لنفسه.
هذا الأثر وجدته في كلام بعض الحنفية ممن يعترضون بشدة على تضعيف إمامهم. وهذا الخبر في تاريخ بغداد بإسناد طويل فيه مكرم بن أحمد وأحمد بن محمد بن المغلس.
• وقال الحاكم: قال الدَّارَقُطْنِيّ: أحمد بن الصلت بن المغلس الحماني، متروك، يضع الحديث. (٣٤).
• وقال البرقاني: ومحمد بن علي بن الفتح قال لنا أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ كان أحمد بن الصلت ضعيفًا. «تاريخ بغداد» ٤ ٢٠٩.
• وقال أبو القاسم الأزهري سئل أبو الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ، وأنا أسمع، عن جمع مكرم بن أحمد فضائل أبي حنيفة. فقال: موضوع، كله كذب، وضعه أحمد بن المغلس الحماني، قرابة جبارة، وكان في الشرقية. «تاريخ بغداد» ٤ ٢٠٩.
• وقال الأزهري: أخبرنا أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ، قال ابن الصلت هذا يضع الأحاديث. «تاريخ بغداد» ٥ ٣٤.
• وقال الأزهري: عن الدَّارَقُطْنِيّ مناقب أبي حنيفة موضوعة كلها وضعها أحمد بن المغلس الحماني. «لسان الميزان»
وأخبار مكرم بن أحمد هذه اليوم منشورة بين الناس أكثر من الآثار الصحيحة في الباب. وأنت مهما كان موقفك النهائي في البحث لا يجوز لك أن تُقرَّ نشر ما نصَّ إمام مثل الدارقطني أنه كذب وموضوع. ولك أن تتخيل لو كان هذا الراوي روى مثالب لأبي حنيفة أمَا كنا سنأتي بكلام الدارقطني هذا؟ فرحم الله عبدًا اتسق بمنهجه وكان صادقًا في بحثه.
والخطيب البغدادي نفسه اعتمد جرح الدارقطني لابن الصلت فقال في تاريخه: لم يروه عن بشر غير أحمد بن الصلت، وليس بمحفوظ عن أبي يوسف، ولا يثبت لأبي حنيفة سماع من أنس بن مالك، والله أعلم.
وقال أيضًا: قد سقنا عن أيوب السختياني، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وأبي بكر بن عياش، وغيرهم من الأئمة؛ أخبارًا كثيرة تتضمن تقريظ أبي حنيفة، والمدح له، والثناء عليه. والمحفوظ عند نقلة الحديث عن الأئمة المتقدمين -وهؤلاء المذكورون منهم- في أبي حنيفة خلاف ذلك، وكلامهم فيه كثير؛ لأمور شنيعة حفظت عليه؛ متعلق بعضها بأصول الديانات، وبعضها بالفروع.
وأخبار مكرم الفاشية في الناس كثيرة جدًّا.
=