=
=
الظريف أن النقل الذي يستدل به هو من كتاب [بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية] لابن تيمية في الرد على الرازي الأشعري إجماعًا! فهو من الغلاف سماهم جهمية.
وقال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (4/ 158): "وأيضا فيقال لهؤلاء الجهمية الكلابية -كصاحب هذا الكلام أبي محمد وأمثاله- كيف تدعون طريقة السلف"، أبو محمد المذكور هو العز بن عبد السلام الأشعري بلا خلاف.
وقال كما في مجموع الفتاوى (16/ 213): "وهذا موجود في كلام متقدمي الجهمية ومتأخريهم مثل ما ذكره أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي الجهمي الجبري".
وقال في درء التعارض (7/ 31): "فأبو الحسين وأمثاله من المعتزلة، وكذلك الغزالي والرازي وأمثالهما من فروع الجهمية، هم من أقل الناس علمًا بالأحاديث النبوية وأقوال السلف في أصول الدين".
وقال في الرسالة المدنية في المجاز: "ثم أقرب هؤلاء الجهمية الأشعرية يقولون: إن له صفات سبعًا: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر. وينفون ما عداها، وفيهم من يضم إلى ذلك اليد فقط، ومنهم من يتوقف في نفي ما سواها، وغلاتهم يقطعون بنفي ما سواها".
وأما النقل الذي يستدل به فهو أصلًا سيق مساق ذم الأشعرية المتأخرين، فذكر الكلابية المتقدمين ومن وافقهم وأن أمرهم كان مشتبهًا بأمر أهل السنة إلى درجة أنهم كانوا يعدون أهل السنة في البلد الذي لا يوجد فيه غيرهم والرافضة والمعتزلة، ثم بعدها ذكر الجويني وكيف أنه وافق المعتزلة أكثر من أسلافه وأنه صار مثلهم في المسائل الكبرى (يعني أنه لم يكن مثل هؤلاء المتقدمين).
ولهذا نَصَّ في هذا الكتاب بيان تلبيس الجهمية على أن الرازي خالف متقدمي الأشعرية في نفيه للعلو وأن السلف ذموا نفي العلو أكثر من ذمهم لبدع الخوارج والرافضة وأن قول الأشعرية المتأخرين شر من قول الجهمية الأوائل.
قال ابن تيمية في درء التعارض (6/154): "ولهذا كان العامة من الجهمية إنما يعتقدون أنه في كل مكان، وخاصتهم لا تظهر لعامتهم إلا هذا، لأن العقول تنفر عن التعطل أعظم من نفرتها عن الحلول، وتنكر قول من يقول: إنه لا داخل العالم ولا خارجه أعظم مما تنكر أنه في كل مكان، فكان السلف يردون خير قوليهم وأقربهما إلى المعقول".
قول خواص الجهمية الذي ذكره هو قول الأشعرية.
واعلم رحمك الله أن السلف أطلقوا كلمة (جهمي) على أناس خير من الأشعرية نفاة العلو من المتأخرين، مثل اللفظية، ومَن نفى الصوت (كما قال أحمد في الحارث المحاسبي)، ومَن يقول بخلق القرآن وإن لم يصرح بنفي العلو، ومَن نفى الصورة كأبي ثور الذي جهمه أحمد، ومثل الكلابية (الذين ينفون الأفعال الاختيارية ويثبتون الصفات الذاتية)، فكل أشعري جهمي وليس كل جهمي أشعريًّا، خصوصًا إن كان الأشعري من المتأخرين، لهذا لا يصح للأشاعرة ادعاء ابن حزم مثلًا فهو يكفرهم، ومع ذلك وصفه ابن عبد الهادي بـ"الجهمي الجلد"، وابن تيمية في التسعينية فضَّل مذهب المعتزلة في الإيمان والقدر على مذهب الأشاعرة.