تنزُّل أم تنازُل
تنزُّل أم تنازُل
درج كثير من الطيبين إلى وضع صور أو أخبار عن محجبات أو منتقبات ناجحات في مجالات دنيوية مختلفة
وذلك يكون في سياق الرد على العالمانيين الذين يقولون أن مثل هذه الأمور تعيق ما يسمونه تقدما
والذي أراه والله أعلم أن مثل هذا النوع من الاحتجاج يحتاج إلى مراجعة
فإن الحجاب الشرعي يكتسب قيمته عندنا من كونه تطبيقا لأمر العزيز الحكيم ولكونه معززا للحياء والعفة
والعالماني الذي يعترض في العادة على الحجاب والنقاب لا يقيم قيمة لشيء من هذا كله ، بل في الغالب يبدأ الأمر بالتهوين من شأن الحجاب وينتهي بقبول العلاقات المحرمة إذا كانت بالتراضي
وأما نحن فَلَو فرضنا وجود تعارض بين منفعة دنيوية وبين ما يعزز الحياء والعفة ويحصن من غضب الله فإن اختيار الحجاب الممثل لذلك كله هو المتعين ولا يحق لعالماني لا يُؤْمِن بمقدماتنا أن يعترض على نتائجها حتى يبطل هذه المقدمات ولا مجال لهذا إلا بإبطال الرسالة ولا تبطل الرسالة إلا بإبطال المعنى من الدنيا وقبول العدمية واذا تحقق ذلك فلا مجال للحديث عن القيم
هذا إن سلمنا بالقبول بمنظومة العمل الرأسمالية من أصلها ومفرزاتها ومفهوم التقدم عند القوم
فإن قيل : إنما نذكر مثل هذا تنزلا ( بمعنى أنك تتنزل مع الخصم بحسب أصوله وتبين له أن دعاويه ليست صادقة حتى على أصوله )
فيقال : علمنة الأهداف وتعظيم الدنيا على حساب الآخرة أمر عمت به البلوى ولا يكاد يفهم أكثر الناس أن هذا تنزل بل في الغالب يفهمون أنه تسليم بأصول القوم لأنك أصولك ليست مبينة ولا مشروحة بدليل أن الكلام الذي كتبته أعلاه في المفاضلة بين المنفعة الدنيوية الحاضرة ( بفهمنا المتأثر بالعالمانية ) وبين العفة والحياء وغص البصر هذا النوع من المفاضلة غائب في الغالب عن الخطاب السائد
علما أن فشو العفة والحياء مع تيسير الحلال له منفعته الحاضرة الظاهرة لكل عاقل مع تحصيل الغاية الكبرى وهي رضا الله عز وجل وتحصيل منفعة دنيوية حاضرة مع موت الحياء والعفة أو ضعفهما وما يترتب على ذلك من مفاسد كبيرة يمكن مشاهدة بعضها في النظر للغرب وما جناه من إباحية وتبرير لقتل الأولاد باسم الإجهاض وغير ذلك من الأضرار المعنوية والمادية معادلة خاسرة وأعظم من ذلك كله سخط الله عز وجل ولا تظنن أن انتكاسة الفطرة جاءت للقوم خطوة واحدة بل خطوات متتابعة وكثير منها استسهلها المساكين في بدايتها وما ظنوا أن الأمر سيصل إلى ما وصل إليه والشيطان لا يأتيك بالباطل المحض بل لا بد أن يقرن به شيئا من المنفعة المتوهمة حتى تقبله النفوس
ومن مفاسد الخطاب المشار إليه أعلاه أنه يجعل الفتاة ( المخدرة ) يعني ذات الخدر القارة في بيتها تشعر بالنقص وذلك يدخل عليها من الغم والحزن ما يدخل علما أن حالها شرعا هو الأصل ولا يلحقه أي ذم ولا يفضله شيء وما سوى حالها أقصاه أن يكون مباحا لأنه في الغالب إنما يطلب به دنيا محضة
وضعف الإشادة بدور ( ربة المنزل ) في الخطاب الدعوي مع كثرة الإشادة بالمرأة العاملة المحافظة على حجابها واضح أنه نوع من التلفيق بين الثوابت والقيم الحديثة