كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الخطأ الذي وقع فيه المتكلمون ولا زال يتكرر

المصدر
الخطأ الذي وقع فيه المتكلمون ولا زال يتكرر من الأمور التي يظنها كثيرون أنه لا فرق بين رد ابن تيمية على الفلاسفة ورد الغزالي كلاهما متشرع رد على أخطاء الفلاسفة وأنه لا فرق بين نظر ابن تيمية في علم الكلام ونظر متكلمي الأشعرية وهذا معنى يسوق له كثير من السطحيين والواقع أن أول من يرفض هذه الفكرة ابن تيمية نفسه الذي كان يرى أن منهجية المتكلمين في الرد على الفلاسفة ضعيفة وقوت جانب الفلاسفة وجعلت المتكلمين يلتزمون أموراً فاسدة ولكي نشرح الأمر من البداية لنفهم كيف تعامل ابن تيمية مع القضايا العقائدية المختلف عليها في زمانه أولاً : الشيخ جعل انطلاقته من النصوص وكلام السلف والذي منع قدماء المتكلمين من ذلك جهلهم بالنصوص حتى ظنوا أنه ليس فيها مفاتيح الأدلة العقلية في المطالب الكبرى وأنها غير صالحة للاحتجاج على الكفار مع أن القرآن نزل أول ما نزل في مخاطبة الكفار وقد شرح ابن تيمية وجود براهين عقلية سليمة على المطالب الكبرى في النصوص في كتابه درء التعارض ولخص كلامه تلميذه ابن القيم في الصواعق المرسلة ومن الرسائل العلمية التي حاولت أن تغطي شيئاً من هذا الجانب الدكتور عبد الكريم عبيدات في كتابه الدلالة العقلية في القرآن الكريم ومكانتها في ترسيخ العقيدة وهي رسالة نافعة وإن كان الأمر يحتمل المزيد من الجمع متقدمي المتكلمين لم يستنطقوا النصوص أصلاً وأحسنهم حالاً من يستنطقها في إثبات النبوة والمعاد فحسب دون الإلهيات إلا شيئاً يسيراً ، وأما المتأخرون فهم في العادة يقلدون المتقدمين في البحث الكلامي وإن كانوا أعلم من المتقدمين بالنصوص وهذا المعنى الذي دخل على قدماء المتكلمين هو اليوم داخل على كثير من عوام الناس حتى بعض المنتسبين للسلفية وساهم في هذا المعنى الرغبة في الظهور بعيداً عن صورة المقلد المؤدلج إذا ذكرت نصوصاً ثم بينت دلالتها ويمكنك أن تستفيد من معاني النصوص وتصيغها بطريقتك حتى إذا فهمها الإنسان تقول له أن هذه الحجة قرآنية أصلاً فهذا يؤثر في قلبه جداً ويقربه من القرآن والإيمان بأنه كلام الله ثانياً : يقوم الشيخ بالتدليل على أن ما استفاده من النصوص هو اتفاق السلف وأن النصوص دلت عليه دلالة قطعية وهنا يستشهد بكتب السلف الأوائل ويبين أن طريقتهم هي الأعلم والأسلم وأن اتباعهم هو المتعين وأن كل بلاء في المحدثات وهذا ركن ركين في طريقة الشيخ لا ينبغي إهماله لهذا كان باستمرار يسوق لكتب السلف ويدعو الناس لقراءتها والنظر فيها ليعرفوا ما أحدث الخلف ومن البلاء في هذا الزمان أن يأتي من ينتسب لطريقة الشيخ ثم هو ينفر من كتب القوم بطرق ملتوية ولا يخفى أن المتكلمين يخالفون الشيخ في هذا وهم أصحاب قاعدة منهج السلف أسلم ومنهج الخلف أعلم وأحكم ثالثاً : يقوم الشيخ بصياغة ما استفاده من المعطيين السابقين في قواعد عامة لتقريب الأمر بأيسر طريق وليحمي الطالب من الشتات عند الإيرادات وهذا ما صنعه في التدمرية ومن الكتب المعاصرة الجيدة في تغطية شيء من هذا الجانب كتاب قواعد ابن تيمية في الرد على المخالفين لحمدي القريقري ( والكتاب متوفر على الشابكة ) رابعاً : ينظر الشيخ في المناهج التي دعت الناس إلى الخروج عن مقتضيات الكتاب والسنة وما كان عليه السلف فيبدأ بتزييف هذه المناهج وبيان أنها لا تقارن بمعطيات النصوص وأن فيها الكثير من الغلط والتناقض فهي لا فرض تعارضها مع النصوص لا تصلح للتقديم على النصوص وأن معطياتها الصحيحة لا تناقض النصوص والنصوص تدل عليه بطريق أقرب للذهن وهذه نقطة تمايز كبيرة بين طريقة الشيخ وطريقة المتكلمين فالمتكلمون في الغالب يسلمون للفلاسفة بطريقتهم في البحث وإنما يخالفونهم في بعض النتائج وهذا ما قام به في نقض المنطق وكثير من تصانيفه الأخرى خامساً : يقوم الشيخ بدراسة هذه المناهج دراسة الناقد ويبين لأصحابها تناقضهم مع بعض معطياتها ويبين أن عدداً من معطياتها لا تتعارض مع النصوص فيستدل عليهم بها لا من باب التسليم بها كما يفعل المتكلمون وإنما من باب إلزامهم بما التزموا وبيان شدة تناقضهم هذه النقطة هي التي يبدأ منها كثير من الشباب اليوم في حواره مع الملاحدة والعالمانيين دون النقاط السابقة وهي أنه يحاول إلزامه على أصوله ثم تجد هذا الشاب مع مرور الوقت صار ملتزماً لهذه الأصول ثم يصير يستشكل بعض الثوابت الشرعية التي تخالف هذه الأصول ! وهذا ما حصل من المتكلمين حذو القذة بالقذة وقال فيهم الشيخ قولته المشهورة ( لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا ) وليس معنى هذا أنه لا يوجد في كلامهم ردود صحيحة وجيدة على الفلاسفة ولكنهم أيضاً سلموا للفلاسفة بما لا يصلح التسليم به فتسلطوا عليهم وألزموهم نفي الصفات فاستجاب المتكلمون وشاركوا الفلاسفة في حرب نصوص الصفات = = والفرق بين النقطة الأولى والنقطة الخامسة أَن النصوص فيها أدلة عقلية ترد على المخالفين من خلال المشترك بين جميع بني آدم بيد أَن في النقطة الخامسة أنت فيها ترد على المخالف من خلال علمه الخاص الذي يفترض أنك لا تسلم به أصالة والذي حصل من المتكلمين أنهم خلطوا بين مطلق الدليل العقلي الذي يفهمه كل إنسان وبين علوم اليونان الخاصة فجعلوها بمنزلة واحدة باختصار خلطوا بين الضروري والنظري المركب المبني على مقدمات كثيرة هي محل نزاع وكذلك اليوم الكثير من الرادين على الملاحدة والعالمانيين يلتزمون العلموية والمقاييس النفعية وغيرها من معطيات الحضارة الغربية مما لو رجعنا لأصله الفلسفي وجدناه سفسطة فيبدأ الأمر بمناظرة ملحد بدون علم وينتهي الأمر بعد الانتصار الموهوم على الملحد بإنكار ثوابت شرعية قطعية ينكرها على علماء الشرع كما ينكرها الملحد تماماً وهكذا منهجية البعض في معالجة القضايا النسوية ومن أضر شيء على العامة سماعهم لمناظرات مبنية على أن كل فريق يريد إلزام الآخر على أصوله فيظن العامي أن هذه الأصول مسلمة مطلقاً وكم عانينا من هذا في الأجوبة على أسئلة الشباب وذلك أن بعض من يكلم الملاحدة النفس التكتيلي والتجميعي لا يفارقه فيريد عودة الملحد للإسلام بأي طريقة ولو على حساب الثوابت الشرعية والمنهجية السليمة في البحث وهكذا هم القوم لا يدخلون في شيء إلا وأفسدوه هداهم الله ثم بعد ذلك يتترس بابن تيمية فتجده ينشيء الشباب على كتب المنطق على طريقة مدرسية تقريرية وهو نافر من كتب السلف أعظم النفرة لأن فيها مخالفة للنفس التجميعي ثم يقول لك : ابن تيمية ابن تيمية ! وهو في واقع أمره أقرب ما يكون لطريقة المتكلمين الذين قضى ابن تيمية عامة عمره في نقض كلامهم وبيان سيء أثرهم على أهل الإسلام ، والحل لمن بدأ بالنقطة الخامسة أو أوعبها وأعطاها حقها مع كون معرفته ضعيفة في النقاط السابقة أن يصاحب أهل العلم ممن يثق بدينهم ويستشيرهم في القضايا العلمية حتى لا تزل قدمه مع حرصه على تقوية نفسه في علوم الوحيين وأعني بأهل العلم من عنوا بعلوم الشريعة على الطريقة السلفية بعيداً عن السطحية الحركية أو العنت الأكاديمي في القشور مع التفريط باللب.