كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

من فقه الإمام أحمد في تحصين أديان العامة..

المصدر
من فقه الإمام أحمد في تحصين أديان العامة.. معلوم ذم أهل الحديث للقصاص الذين يحدثون بالأخبار المكذوبة في مواعظهم، حتى ألّف بعض الناس مؤلفات خاصة في أكاذيب القصاص. غير أنه بعد ظهور المعتزلة، وإظهار بعضهم إنكار عذاب القبر والميزان وغيرها، كان الإمام أحمد يحب أمر القصاص بشرط التزام الصدق. قال ابن الجوزي في القصاص والمذكرين: "16 - وقد روى أبو بكر الخلال قال: أخبرني منصور بن الوليد قال: أخبرنا جعفر بن محمد قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يسأل عن القاص. فقال: إذن ما أحوج الناس إلى قاص صدق. 17 - قال: وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: يعجبني أمر القصاص؛ لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر. قلت لأبي عبد الله: فترى الذهاب إليهم؟ قال: إي لعمري إذا كان صدوقا، لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر قال: وشكا رجل إلى أبي عبد الله الوسوسة. فقال: عليك بالقصاص. ما أنفع مجالستهم. 19 - قال الخلال: وأخبرني علي بن الحسن بن سليمان قال: حدثنا علي بن زكريا التمار، سمع أبا عبد الله يقول: أنا يعجبني القاص في هذا الزمان؛ لأنه يذكر الشفاعة / والصراط". يريد الإمام أنهم يذكرون مضامين عقدية مهمة أثناء مواعظهم فتثبت في قلوب العامة قبل أن يتسلل إليها البدع، والشفاعة والصراط والميزان وعذاب القبر هذه مضامين عقدية تجدها في عامة المتون العقدية القديمة. يتضح الأمر أكثر في الأثر التالي: "قال الحسن بن ثواب: قال لي أحمد بن حنبل: ما أعلم الناس في زمان أحوج منهم إلى طلب الحديث من هذا الزمان، قلت: ولم؟ قال: ظهرت بدع، فمن لم يكن عنده حديث وقع فيها. "المناقب" ص237. والقصاص غالب من يجلس إليهم من العامة، والعامة ليسوا بمنأى عن البدع بل هم الأقرب لاصطياد القوم لقلة علمهم. قال ابن هانئ: حضرت الصلاة مع أبي عبد اللَّه -يعني أحمد ابن حنبل- يوم عيد، فإذا قاص يقص، فذكر القاص كلمة قال: على ابن أبي دؤاد ألف لعنة اللَّه -أو كلمة نحوها- ثم جعل يقول: لعن اللَّه ابن أبي دؤاد. وجعل يذكره بالقبيح. فلما قضى أبو عبد اللَّه صلاة العيد، ووافق ذلك يوم الجمعة، فصلى العيد ثم انصرف، ولم يغد إلى الجمعة -فلما صرنا ببعض الطريق، جلسنا نستريح، فذكر أبو عبد اللَّه القاص. قال: ما أنفعهم للعوام، وإن كان عامة ما يحدثون به كذبًا. "مسائل ابن هانئ" (1880) لاحظ هنا أعجب أحمد أن يظهر الإنكار الشديد على دعاة التجهم أمام العامة وفي مجالس الوعظ لحماية العوام من التلبس بهذه البدع، وما أكثر ما تكرر هذا الأمر تاريخياً، وهو تسلل جماعة من أهل البدع إلى العوام، ثم إلى بعض من له سلطة من أمراء ووزراء وملوك حتى ملأوا صدورهم على أهل السنة وأقاموا عليهم المحن. ووقت أحمد لم يكن الجهمية من أصحاب ابن أبي دؤاد هم أشد الناس، بل الناظر في كتاب (الرد على الزنادقة والجهمية) يعلم أن هناك زنادقة كانوا يطعنون في القرآن صراحة ، وزنادقة يضعون الأحاديث لتشكيك الناس في دينهم، وذكر الجاحظ المعتزلي في رده على النصارى نشاط النصارى في تشكيك الناس في دينهم، وذكر في مؤلفاته مناظرات عديدة مع الشعوبية والزنادقة. والظرف السياسي لم يكن هادئاً، بل كان هناك بابك الخرمي وفتنته عظيمة، رجل كافر زنديق خرج على الخلافة العباسية واجتمع حوله أناس حتى تمكن تمكناً عظيماً، وبقي سنين طوال وهو يقتل من المسلمين ويسبي ويغنم. مع ما كان من أمر الروم وغيرهم. وحتى في وقت ابن تيمية الظرف السياسي لا يخفى، وما كان المقصودون بالرد من كتاب بيان تلبيس الجهمية ودرء التعارض أخطر الناس، بل كان هناك أصحاب وحدة الوجود؛ والفلاسفة؛ والإمامية ؛ وغلاة القبورية وغيرهم كثير، وكان الشيخ يرى أن أهل الكلام مهدوا لجميع هؤلاء، أو أضعفوا ردود أهل الملة عليهم بأصولهم الفاسدة. =