أهل الكلام على خطى أهل الكتاب باعتراف بعض كبارهم ...
أهل الكلام على خطى أهل الكتاب باعتراف بعض كبارهم ...
يوجد سجال حاصل الآن في توصيف موقف الأشعرية من النصوص وهل تسمى تأويلاتهم التعسفية لمئات النصوص تكذيبًا.
بعض الأخوة هيَّجني بهذا النقل:
"التأويل عند أصحاب الحديث نوع من التكذيب".
الحافظ أبو القاسم ابن منده الحنبلي، في كتابه الرد على الجهمية، وانتقاها ابن رجب وختم بها ترجمته في ذيل الطبقات.
مشهور عند الناس أن بولس حين حرَّف النصرانية أقنعهم بترك الختان بحجة أن الختان المطلوب هو ختان القلب!
وهذا يشبه صنيع بعض العالمانيين في زماننا حين تأوَّل "فاقطعوا أيديهما" بامنعوهما من السرقة.
واضح في هذين التأويلين أنهما تكذيب مغلَّف، فهناك جمع بين النصوص كما في قوله تعالى: "نسوا الله فنسيهم" قابَلها "وما كان ربك نسيا" فعُلِم أن النسيان المنفي غير المثبت، فحُمِل المثبت على الترك، وهناك مراعاة للسياق كما في آية "وهو معكم أينما كُنتُم" فالآية أولها وآخرها في صفة العلم، وذلك أيضا يتسق مع علو الله على خلقه كما قال مالك: "الله في السماء وعلمه في كل مكان".
وهناك تعسُّف حيث تُصرَف مئات النصوص التي ظاهرها الفوقية والعلو عن ظاهرها لتُلقِّن الناسَ سفسطةً خلاصتها رفع النقيضين وأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، فهذا من التأويل هو ضرب من التكذيب، فأنت إنما صرَفت النص عن ظاهره لاعتقادك أن الظاهر كفرٌ بناءً على طريقة الفلاسفة. والله المستعان.
قال الرازي في تفسيره: المسألة الثالثة: اختلفوا في كيفية الكتمان، فالمروي عن ابن عباس: أنهم كانوا محرفين يحرفون التوراة والإنجيل، وعند المتكلمين هذا ممتنع، لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما، بل كانوا يكتمون التأويل، لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمد عليه السلام، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة، ويصرفونها عن محاملها الصحيحة الدالة على نبوة محمد عليه السلام، فهذا هو المراد من الكتمان، فيصير المعنى: إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب.
أقول: مع كون تحريف كتاب أهل الكتاب لفظيًّا معروفًا ومتواترًا عند المتخصصين حتى من منصفيهم الْيَوْم، إلا أن الرازي هنا يعترف بأن التأويلات التعسفية تساوي التكذيب، إذ جعل كفر اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم من هذا الباب، وإذا كان اليهود مارسوا هذا مع بينات في كتبهم فما المانع أن يقع من بعض المنتسبين للملة وفِي الحديث "لتتبعن سَنَن من كان قبلكم".
قال الدارمي في رده على المريسي: فإن كنت تدفع هذه الآثار بجهلك، فما تصنع في القرآن، وكيف تحتال له؟ وهو من أوله إلى آخره ناقض لمذهبك، ومكذب لدعواك، حتى بلغني عنك من غير رواية المعارض أنك قلت: "ما شيء أنقض لدعوانا من القرآن غير أنه لا سبيل لدفعه إلا مكابرة بالتأويل".
قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل: وقيل عن بعض رؤوس الجهمية -إما بشر المريسي أو غيره-: أنه قال: ليس شيء أنقض لقولنا من القرآن. فأقَرُّوا به في الظاهر، ثم صرَفوه بالتأويل.
ويقال أنه قال: إذا احتجوا عليكم بالحديث فغالطوهم بالتكذيب، وإذا احتجوا بالآيات فغالطوهم بالتأويل.
=