أحداث آخر الزمان والبحث عن المهدي...
أحداث آخر الزمان والبحث عن المهدي...
قبل يومين هاتفت صاحباً لي، فرقت بيننا الديار على شدة ألفة القلوب بيننا، سألته عن أحواله واستفصلت عنها حتى أضجرته، غير أنه يعذرني لشفقتي عليه.
لفت نظري إخباره لي بأنه صار يكثر من البحث في أمر المهدي وأشراط الساعة، متمنياً قرب خروجه باحثاً في العلامات الدالة على ذلك (وصاحبنا عامي).
كان ذلك أبلغ تعبير عما وصل إليه من انزعاج من واقعه وتمنٍ لتغيُّر الأحوال بشكل جذري يريحه من تلك الحياة التي يطارِد فيها لقمة العيش، ولا يفتأ مشاهير مواقع التواصل أن يُشعروه بالفشل، ويُشعره رؤساء عمله وربما أسرته بالتقصير مهما بذل، ويحاول أن يجد العزاء في الدين؛ فيجده محاطاً بقراءات تعيده إلى المربع الأول (هذه لن يفهمها كثيرون).
سألت نفسي: كم واحداً هم مثل صاحبي هذا؟ وما الضير من أن يسلِّي نفسه بشيء من الأمل؟
ثم قررت أن أُمعن النظر في الأمر.
هذه الظاهرة معروفة في عقيدة الشيعة الإمامية، يسمونها: عقيدة الانتظار، ولمَّا رأى بعض منظريهم أنها ذات آثار سلبية عملياً حاولوا استثمارها فأظهروا مصطلح (التمهيد للظهور) أي: أنك تفعل أموراً لتمهِّد للظهور، تكون عادةً مشاريع سياسية ناجحة، وجمَح بعضهم فجعل التمهيد للظهور الولوغ بالفواحش؛ لأن المنتظَر إنما يظهر إذا كثر الشر جداً، من باب: "اشتد أزمة تنفرجي"، وهؤلاء قلة ولكنهم موجودون حقاً.
كثير من عوام أهل السنة لمَّا ضجروا من الواقع الرأسمالي الخانق، وخاطبهم كثير من الدعاة بأهمية الشريعة ومنافعها في مقابل مضار حكم الكفار تشوَّفت أنفسهم جداً لهذا الأمر، وعوَّلوا على مشروع تلو الآخر، ومع تساقط هذه المشاريع أو فشلها صار بعضهم يتعلق بأي قشة، وبعضهم قفز إلى الحديث عن علامات ظهور المهدي.
تتركز إشكالية هذا الطرح في أنه تمتزج فيه الأماني بالتحليل -الذي قد يبدو علمياً- ؛ فيخرج إلينا (الطرح الرغبوي) والتحكم في تنزيل أحاديث رسول الله ﷺ، وتحليل الأحداث.
وأيضاً إقبال كثير من العامة على مثل هذا، مع رغبتهم عن تعلم مهمَّات دينهم، من عقيدة؛ وأحكام؛ وآداب، وربما تعلموا شيئاً منها؛ ولكن مع عدم تقدير محلها الذي ينبغي في الشرع.
وأيضاً داء السلبية، فكثير منهم يمكنه أن يُصلح بقدر في محيطه، فتراه لا يلتفت لذلك كثيراً، ويحقر المعروف بحجة (ماذا سيفعل هذا؟) (هذا لن يغير العالم)، ويتشوف للتغيير الجذري فحسب، متناسياً أمرين:
الأول: أن الأمر تعامل مع الله -تبارك وتعالى- وطلبٌ للأجر، وأن النتيجة بيَدِ الله، المهم أن تسعى أنت، فالنبي يأتي ومعه الواحد، ويأتي النبي وليس معه أحد، بل العمل في وقت الغربة أجره مضاعف.
الثاني: أنك لو قلت هذا وقال غيرك هذا وقال ثالث هذا= فإننا نكون فقدنا خيراً عظيماً بالتراكم، من الممكن أن يحسِّن الواقع بشكل كبير ويمهِّد للتغيير الجذري المنشود.
وفي عدد من الأحاديث ما يدل على أهمية القليل باعتبار ثوابه عند الله وباعتبار تراكمه، كحديث: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»، وحديث: «من بنى لله مسجداً ولو كمحفص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة»، وحديث: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم»، وغيرها.
الدنيا دار اختبار، فحتى مع التمكين هناك فتنة السراء والترف ونحوها مما ينبغي أن تُقاوَم، ومن الجميل أن نُظهر محاسن الشريعة؛ ولكن من الغلط أن نحصر محاسنها في دائرة المقارنة مع إنجازات الرأسمالية، فالدين مجال إصلاحه أعظم من مجرد البحث السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بل هناك باب العقيدة والعبادة والعلاقة مع الله تبارك وتعالى.
وكلَفُ الناس بهذا ككلفهم بالحديث عن التاريخ، والتوسع بذلك بنظرة تحليلية مع معطيات سطحية وهوى، وكلفهم أيضاً بالحديث عن المؤامرات وتفاصيل المنظمات السرية وأحوال الغرب، فالإيغال في ذلك مع البعد عن العلم النافع والتعاطي مع التحليلات الظنية على أنها قطعيات يُنطلق منها في تصوير المنهج العام وترتيب الأولويات كل ذلك غلط وله مغبة، بل مغبات، منها الدخول في عقلية الانتظار السلبي، ثم تطويره إلى الانتظار الإيجابي والذي يُعزَّز بالتكلف في تنزيل أخبار أشراط الساعة على بعض الأحداث الواقعية، والتي بمجرد ما يظهر للناس أن هذا المحلِّل تكلَّف يصيبهم إحباط عظيم بعدما بنوا آمالاً وقصوراً وعوالي.