كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

بين حديث الجارية وحديث (أعني على نفسك بكثرة السجود).

المصدر
بين حديث الجارية وحديث (أعني على نفسك بكثرة السجود). قال مسلم في صحيحه 1029- [226-489] حدثنا الحكم بن موسى أبو صالح، حدثنا هقل بن زياد، قال: سمعت الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذلك قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود. يدمن مبيحي الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله الاستدلال بهذا الحديث على ما يريدون! والمرء في الجنة له ما تشتهي نفسه، فإن كان في رتبة عليا وطلب أن يرفع إليه صاحب أو ولد، كان ذلك جائز الوقوع. وقد قال تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم} فالصحابي ما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل الجنة، بل سأله أن يرافقه في الجنة إذا دخلاها، وهذا نظير أن تقول للإنسان أسكني معك في منزلك، ولا أحد يقول أن هذا الأمر لا يقدر عليه إلا الله! ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أن الأمر لا ينال بمجرد الطلب، بل لا بد من عمل حتى يدخل الجنة ثم يصير أمر الشفاعة مكملاً. قال سليمان بن عبد الله في توضيح الملك الخلاق: "ولهذا لما سأل ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرافقته في الجنة وكان خادماً له كأتيه بوضوئه وحاجته فقال سلني فقلت أسألك مرافقتك في الجنة فقال أو غير ذلك فقلت هو ذلك قال فأعني على نفسك بكثرة السجود، رواه مسلم، لم يبادر صلى الله عليه وسلم بقوله نعم افعل أجعلك معي إشارة إلى أن الأمر بيد الله وأن كثرة السجود بإخلاص هي الوسيلة في قضاء الحاجة ونيل المسؤول والسائل لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخله الجنة وإنما سأله أن يكون رفيقاً له في الجنة ومعناه صحبته وعدم فراقه فيه كحالته معه في الدنيا فأجابه صلى الله عليه وسلم بقوله فأعني على نفسك بكثرة السجود تعليماً له أن نفس دخول الجنة ثابت بوعد الله تعالى لمن مات لا يشرك به شيئاً فهو رحمة من الله وفضل ورفع الدرجات، ومرافقة الصالحين الأحباب بسبب كثرة الأعمال الصالحة وإخلاصها لله على أن سؤاله النبي صلى الله عليه وسلم مرافقته الجنة معناه دعاء الله أن يكون كذلك، كما قاله المحققون من أهل العلم واتفقوا على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسأل بعد موته لا استغفاراً ولا دعاءً ولا غيرهما فان الدعاء عبادة مبناها على التوقيف والإتباع لا على الأهواء والابتداع". وقد قال عبد اللطيف آل الشيخ في مصباح الظلام: "وأما حديث ربيعة بن كعب: فالاستدلال به خروج عن محل النزاع". ولهذا في زمن ابن تيمية وقبله ما استدل أحد من خصومه بهذا الحديث، لعلمهم بهذا، وأنه خارج محل النزاع. وقال مبارك الميلي في رسالة الشرك ومظاهره: "والتوجه بالنبي معناه التوجه بدعائه، دل على هذا المحذوف اختيار الأعمى لدعاء الرسول [- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -] بعد تخييره له بينه وبين الصبر، وأمره للأعمى بالدعاء بعد دعائه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ نظير ما أخرجه مسلم وغيره من قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لمن سأله مرافقته في الجنة: «أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» (127)؛ فنصح لهما بعبادتي الصلاة والدعاء لمناسبتهما للمطلوب". وقال المناوي الصوفي في فيض القدير: "وفيه أن مرافقة المصطفى صلى الله عليه وسلم في الجنة من الدرجات العالية التي لا مطمع في الوصول إليها إلا بحضور الزلفى عند الله في الدنيا بكثرة السجود انظر أيها المتأمل في هذه الشريطة وارتباط القرينتين لتقف على سر دقيق فإن من أراد مرافقة الرسول صلى الله عليه وسلم لا يناله إلا بالقرب من الله ومن رام قرب الله لم ينله إلا بقرب حبيبه {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} أوقع متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم بين المحبتين وذلك أن محبة العبد منوطة بمتابعته ومحبة الله العبد متوقفة على متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم". ففهم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين له أن الأمر لا ينال بمجرد الطلب، فهذه لو تأملنا حجة عليهم، وأنت في السجود أقرب ما تكون من الله عز وجل، والسجود موطن الدعاء، فالنبي صلى الله عليه وسلم وكأنه يقول له (اسأل الله ذلك فالأمر بيده أولا وآخراً) فتأمل كيف يستدلون بخبر فيه الرد عليهم. وغالباً لا يستغيث مستغيث بغير الله إلا عن غفلة عن سعة رحمة الله عز وجل، وقربه سبحانه. غير أنه بعد هذا كله، هذا الحديث في صحيح مسلم ومداره على يحيى بن أبي كثير (راوي حديث الجارية) (أين الله قالت في السماء قال اعتقها فإنها مؤمنة) عامة القبورية اليوم جهمية، ولا يؤمنون بعلو الله عز وجل على خلقه فضلاً عن أن يجعلوها مسألة فاصلة بين الإيمان والكفر، وكثير منهم طعنوا في هذا الحديث، ومنهم من قال هو خبر آحاد ولا يقبل في العقيدة. = = ثم هم يحتجون في الاستغاثة بغير الله بحديث نظير له، بل يحيى بن أبي كثير تابعه في حديث الجارية مالك بن أنس، ولم يتابعه أحد هنا. وإليك نقولات من المذاهب الفقهية المشهورة كلها في المنع من الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله: قال أبو بكر التميمي الصقلي المالكي المتوفى عام 451 في الجامع لمسائل المدونة: "وآخر قوله عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ} والسماء والأرض لا تقوم بمخلوق، فعلمنا أن أمره غير مخلوق. وجواب آخر: قوله عز وجل: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} وما لا نفاذ له فغير مخلوق وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعوذ بكلمات الله التامات"، والنبي عليه السلام لا يستعيذ بمخلوق، وإنما يستعيذ بالله وصفاته ". وقال ابن رشد في البيان والتحصيل: "وفي الحديث بيان واضح على أن كلماته عز وجل غير مخلوقاته، إذ لا يستعاذ بمخلوق". وجاء في شرح ابن ناجي على متن ابن أبي زيد القيرواني: "(وتتعوذ من كل شيء تخافه وعندما تحل بموضع أو تجلس بمكان أو تنام فيه أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق): هذا حديث خرجه أهل الصحيح قال الفاكهاني: أخذ بعض العلماء من هذا أن القرآن غير مخلوق ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستعيذ بمخلوق". هذا كلام المالكية.. جاء في مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر لداماد أفندي (1/ 320): ((و) شرط أيضا (حضور) شاهدين فلو تزوج امرأة بشهادة الله تعالى ورسوله لا يجوز النكاح وعن قاسم الصفار وهو كفر محض؛ لأنه اعتقد أن رسول الله -عليه السلام - يعلم الغيب وهذا كفر،. وفي التتارخانية إنه لا يكفر لأن بعض الأشياء يعرض على روحه -عليه الصلاة والسلام - فيعرف ببعض الغيب قال الله تعالى: {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا} [الجن: 26] {إلا من ارتضى من رسول} [الجن: 27]). أقول: هنا قاسم الصفار يرى إن إشهاد الرسول صلى الله عليه وسلم على النكاح كفر محض، لأن فيه اعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب، وتعقبه أصحاب التتارخانية أنهم لا يرون ذلك كفراً (وما رموه بخارجية ولا غلو) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد يكشف له بعض الغيب. وكل مستغيث بالنبي صلى الله عليه وسلم ينسب له علم الغيب، وتعقبهم لا ينفع في الدفاع عمن اعتقد أن علم النبي صلى الله عليه وسلم هو عين علم الله عز وجل، فهم قالوا (بعض) وليس (كل)، وبالتالي هم أيضاً موافقون على تكفير من يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم كل الغيب، وعلمه هو علم الله عز وجل، وسبحان الله؛ كيف يكون هذا، هو يقال له (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك). وأما الشافعية فأكتفي بنقل بعض الأشاعرة منهم إلزاماً، قال البيهقي في الأسماء والصفات: "ولا يصح أن يستعيذ بمخلوق من مخلوق , فدل أنه استعاذ بصفة من صفات ذاته , وأمر أن يستعاذ بصفة من صفات ذاته , وهي غير مخلوقة كما أمره الله تعالى أن يستعيذ بذاته , وذاته غير مخلوق". ولو لجأت إلى حي قادر لقيل (استعاذ به) ولكنهم يريدون فيما لا يقدر عليه إلا الله جاء في لسان العرب: "عوذ: عاذ به يعوذ عوذا وعياذا ومعاذا: لاذ به ولجأ إليه واعتصم" ثم قال: "وعذت بفلان واستعذت به أي لجأت إليه". وفي الحديث (إنما قالها تعوذاً) والقوم أنفسهم يستدلون بخبر لا يثبت (أعوذ بالله ورسوله) وإن صح يحمل على الاستعاذة بالحي القادر على ما يستطيع. وأما الحنابلة فقال ابن مفلح في الفروع: "قال أحمد وغيره: في قوله عليه السلام: "أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق" 3: الاستعاذة لا تكون بمخلوق" قال هذا في سياق الحديث على التوسل ليبين الفرق بين التوسل والاستغاثة ودعاء الله عند القبر ودعاء صاحب القبر. وقياس الاستعاذة على الاستغاثة (بل هما شيء واحد في أحيان عديدة فالاستغاثة من مؤذي استعاذة) أولى ألف مرة من قياس الاستغاثة بحي قادر مستطيع على ميت أو مشلول! والخلاصة: إن سلّم القوم بحديث يحيى بن أبي كثير الأول لزمهم التسليم بحديث الجارية الشاهد عليهم بالتجهم ومفارقة المسلمين.