نحن أولىٰ من الأصمعي بمراعاة هذا المعنى!
نحن أولىٰ من الأصمعي بمراعاة هذا المعنى!
”وكانت من الأصمعي في هذا الوجه شدة وعسر. وزعم بعضهم أنه إنما ترك تفسير القرآن لأن(أبا)عبيدة سبقه بالمجاز اليه“. ابن سيده- المحكم والمحيط الأعظم- (٧/٥٢٧).
أقول: ما بين القوسين غير موجود في الأصل ولكن لا بد من إضافته لأنه الأصوب.
الأصمعي: عالم لغة كبير وشهير، وذاع عنه عدم تفسيره للقرآن إعظاما له.
وقد ذكر ابن سيده هنا وجها آخر في تفسير خيار الأصمعي حيث كفى أبو عبيدة (معمر بن المثنى) اللغويين في ذلك الزمان في باب القرآن وهذا المعنى لا يتناقض مع الورع المشهور عنه.
ومن طالع تصانيف الأيمة عند القرون الأولى في مختلف العلوم وجد أنها مؤلفات في غالبها ليس فيها تكرار لمادة الآخرين، بل تجده يلاحظ مادة الآخرين وينبه على أنه زاد ما فات صاحبه كما فعل ابن قتيبة مع كتاب الغريب لأبي عبيد القاسم بن سلام.
وهذا ظاهر في تصانيفهم التي فيها مدخل للاجتهاد والرأي وأما في أمر الرواية فإن نفوسهم تستروح للتوسعة في التصنيف في ذلك ولا يخلو الأمر من إضافات قيمة.
ما حصل من الأصمعي نجده متكررا مع ابن خزيمة حين رأى أن تفسير الطبري أغناه عن الكتابة في التفسير وما حصل مع الدارقطني حين رأى أن كتاب ابن عدي أغناه عن الكتابة في الضعفاء على التوسع وصنع حاشية على كتاب ابن حبان ورأى نفسه وفى المقام هكذا..
غير أنه في الأزمنة المتأخرة غلب على العديد من المنتسبين للعلم حب التكثر بالتصنيف حتى وجدت ظاهرة السطو على مؤلفات الآخرين مع شيء يسير من الإضافات والتقديم والتأخير!
وكثير من الناس يظن أن ضخامة مؤلفات العديد من المتأخرين برهان على أنهم فاقوا السلف والواقع أنه لولا ما كان من السلف ما تيسر لهؤلاء التوسع ثم إن كثيرا من التوسعات جمع بغير تحرير ويعتريه من الأغلاط والتشويش الشيء الكثير إلا في قلة منتجبة من المتأخرين.
ومن طالع الكتب المتأخرة في الفقه والأصول والتفسير هاله كثرة التكرار حتى أن كثيرا من التوسعات صارت باب تشويش بدلا من أن تكون باب توضيح.
فكان الأمر هكذا كتب السلف فيها صعوبة –مع أنها سلسة وعذبة ولكن لا يوجد علم يأتي بسهولة-، فلنكتب متونا مختصرة نضع فيها خلاصات العلم ويحفظها المرء فيصير بها عالما؛ فكانت هذه المتون مختصرة إلى حد الإعجام فاحتاجت شروحا وكانت هذه الشروح مطولة وفيها الكثير من الأبحاث فاعتمد المدرسون أوضح هذه الشروح، فاحتاج المدرسون إلى أن يضعوا حواشي تحل إشكالات الشروح ومع وجود التنافس والتكاثر المشتهر بين المتأخرين صار كل مدرس يتفنن بالإشكال على الشارح مبرزا ذكاءه وتدقيقه حتى أن بعض شروح كتب علوم الآلة لا يكاد يخلو سطر من تنبيه للمحشي بل ذلك بلغ كتب الفقه أيضا!
=فبني على ذلك كله تضخم هذه الكتب جدا وبدلا من أن تكون ميسرة لطالب العلم طريقه صارت تجهده وتجد الطالب يقضي عمرا في علوم الآلة ولا يصل إلى الكتب الأساسية إلى بعد أن تكون خارت قواه!
وأورث ذلك ضعفا علميا في المهمات ودقة ومعرفة في الوسائل وكان ذلك سببا في ضعف علمي عام وفشو للبدع وضعف في مواجهة الإشكالات الفكرية الجديدة.
وتجدهم مع كل ذلك نافرين عن كتب السلف معتقدين صعوبتها ومع كونهم يقضون أعمارًا في كتب هي أعسر بكثير من كتب السلف وأطول وكتب السلف كثير جدا منها مهجور في عامة الفنون والله المستعان.
وأما المعاصرون فحدث ولا حرج من التكرار والاجتهاد في غير محل اجتهاد بحجة التجديد ثم البلادة والتقليد في مواطن المحجة فيها واضحة! وأحوال عجيبة الله المستعان.