كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

رؤيا الفضيل في أبي إسحاق الفزاري ودلالتها على فضل العالم على العابد وترتيب الأول

المصدر
رؤيا الفضيل في أبي إسحاق الفزاري ودلالتها على فضل العالم على العابد وترتيب الأولويات قال أبو نعيم في حلية الأولياء: "(8/254): حدثنا إبراهيم بن عبد الله، ثنا محمد بن إسحاق، سمعت إبراهيم بن سعيد الجوهري، سمعت أبا أسامة، سمعت الفضيل بن عياض، يقول: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وإلى جنبه فرجة فذهبت لأجلس، فقال: "هذا مجلس أبي إسحاق الفزاري""، فقلت لأبي أسامة: أيهما أفضل قال: كان فضيل رجل نفسه وكان أبو إسحاق رجل عامة". أقول: هذا إسناد قوي. والفضيل بن عياض صاحب الرؤيا من العباد الزهاد الذين عليهم اتفاق الناس جميعًا، لا يكاد يوجد كتاب يذكر الزهاد والعباد إلا ويذكره. وله كلمات سيَّارة في الوعظ والنصح، وما أكثر ما تُذكَرُ أحواله تنشيطًا لأهل العبادة ووعظًا لأهل المعصية، فنفع الله به على مر القرون خلقًا لا يعلمهم إلا الله عز وجل. وأما أبو إسحاق الفزاري الذي يظهر في الرؤيا على أنه أقرب منزلة من النبي صلى الله عليه وسلم من الفضيل بن عياض فلا يعرفه إلا قلة من طلبة العلم. ولكنه كان محبًّا لاعتقاد أهل الحديث وفقههم ذابًّا عنهم أمام أهل الكلام وأهل الرأي كما أنه كان يُحذِّر من الكذابين في الحديث. وهذا قد لا يرى العامة أنه أنفع لهم من أحوال الفضيل، ولكنه عند عامة أهل العلم أنفع لهم لأنه يقيهم من الانحراف العقدي والفقهي ومن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أحمد بن عبد الله العجلى: "كان ثقة رجلا صالحا صاحب سنة وهو الذى أدب أهل الثغر، وعلمهم السنة، وكان يأمر وينهى، وإذا دخل الثغر رجل مبتدع أخرجه، وكان كثير الحديث، وكان له فقه، وكان عربيا فزاريا أمر سلطانا ونهاه فضربه مئتى سوط، فغضب له الأوزاعى، وتكلم فى أمره". أقول: هذه الشدة على أهل البدع والقوة أمام السلطان هي التي قربته من النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الرؤيا، واليوم الكثير من العامة يحبون القوة أمام السلطان ولكنهم يكرهون الشدة على المبتدعة إذا كان الخلاف معهم ليس له متعلق دنيوي فيما يرون. وأنا هنا لا أزهِّد بأحوال أمثال الفضيل، بل الناس اليوم أحوج ما يكونون إلى مثل هذا، غير أنهم إلى أحوال الفزاري أحوج. وتأمَّل سلامة صدر الفضيل وتحديثه بهذه الرؤيا التي تُظهِر فضل أحد أقرانه عليه، وقارن هذا بأحوال بعض الناس اليوم ممن لم يصل إلى عبادة الفضيل وأمثاله غير أنه يستخدم الحديث في الفضائل والتزكية للحط على من ينتصر للعقيدة ويشتد على أهل البدع وينتصر لفقه أهل الحديث. قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل: "ذكره أبي نا محمود بن إبراهيم بن سميع الدمشقي قال سمعت أبا صالح الفراء - يعني محبوب بن موسى - قال سمعت ابن المبارك يقول: ما رأيت رجلا أفقه من أبي إسحاق الفزاري، قال أبو محمد وقد رأى ابن المبارك سفيان الثوري والاوزاعي ومالك ابن أنس والخلق". وقد تكلم الخطيب البغدادي في كتابه [الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع] فذكر أن مِن العلماء مَن كان لا يحدِّث السلاطين، وذكر منهم من لا يحدِّث أهل الرأي فكان أولَ من ذكر أبو إسحاق الفزاري. وللفزاري كتاب مطبوع بعنوان [السير] وهو في أعلى أسانيده يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم بواسطتين، وله ترجمة حافلة في تقدمة الجرح والتعديل. لما تكلم عنه أبو نعيم في الحلية قال: "أبو إسحاق الفزاري. ومنهم تارك القصور والجواري ونازل الثغور والبراري: أبو إسحاق إبراهيم الفزاري. كان لأهل الأثر والسنة إماماً وعلى أهل الزيغ والبدعة زماماً". وصفه بأنه "تارك للقصور ونازل الثغور" لأنه أمير عربي، كل فزارة كانت تنزل على قوله، وجده عيينة بن حصن الفزاري سيد فزارة في زمن النبي الكريم ﷺ. وتركُ القصور ونزولُ الثغور محل تقدير عظيم عند العامة والخاصة في زماننا، غير أن نصرة السنة مع الشدة على أهل البدعة (دون ظلم) هذا محل استنكار عندهم، وقد كان هذا من أعظم ما يُمدح به الرجل في زمانه حتى لو تُرجم له في كتب الزهاد والعباد، فقد كانت هذه ثمرة التزكية عندهم أن يغضب المرء لله عز وجل.