الترجيح بين المصالح الكلية العامة ومصلحة الأفراد وأثره في نقض الشبهات وبيان الحا
الترجيح بين المصالح الكلية العامة ومصلحة الأفراد وأثره في نقض الشبهات وبيان الحاجة إلى الوحي..
قال ابن تيمية في شرح العقيدة الأصبهانية: "وهذا كما أن الشريعة متضمنة لصلاح العباد في المعاش والمعاد، كما قال تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وهذا معلوم بالاضطرار بعد تتبع كليات الشريعة وسواء قيل إن فعله وحكمه يعلل أو لا يعلل فإن من نفى التعليل يقول إن المصالح اقترنت بالفعل المأمور به وكان ذلك علامة ودلالة وإن لم يقل: إن شرع ذلك لتلك المصلحة.
ومع هذا فمعلوم أن اعتبار الشارع المصالح العامة الكلية لا يوجب حصول هذا في كل معين فقطع يد السارق وإن كان شرًّا بالنسبة إليه إذا لم يتب فهو مصلحة لعموم الخلق وكذلك سائر العقوبات الشرعية، وكذلك الجهاد وإن كان فيه قتل النفوس وأخذ أموالهم وسبي حريمهم فمصالحه غامرة لهذه المفسدة القليلة".
أقول: كلام الشيخ هنا وكأنه يرد على شبهات الملاحدة والليبراليين والحالمين، وكلام الشيخ عن المصلحة في الجهاد يقصد به اقتراب الناس من التوحيد والنجاة في الآخرة وسير حكم العدل فيهم، فالأموال التي تنتقل من يد الكفار إلى يد المسلمين يكون المسلمون ملتزمين فيها بزكوات وصدقات تجاه المساكين الذين كان يستأثر عنهم أولئك، ثم إن أولئك الكفار إن شملهم اسم المسكنة فإنه ينالهم شيء من الخير بعدما ينال فقراء المسلمين حظهم.
وكلامه عن قطع يد السارق يضاف عليه أن السارق يكون قطع اليد له كفارة على كل حال وذلك ينجيه من عذاب النار في خصوص هذه المعصية.
وباب تعارض المصلحة العامة مع مصلحة فرد بعينه هو الباب الذي من خلاله تعرف حكمة المرء وصلاحيته لسياسة الناس.
وقد بالغ قوم في أمر المصلحة العامة حتى استباحوا قتل إخوانهم والأطفال والنساء بحجة الحفاظ على الملك، وتوسَّع قوم بالبطش بحجة الحفاظ على الأمن.
وبالغ أقوام في النظر إلى مصلحة الفرد الخاصة حتى تعاطفوا مع الجناة وطالبوا بإلغاء عقوبة الإعدام.
وأغرب شيء حال الناس اليوم من المتأثرين بالثقافة الغربية، يقتلون الأطفال بالإجهاض بحجج واهية ثم يرفضون عقوبة الإعدام وهذا من أعجب الأحوال.
ونزاعات الناس في الترجيح بين المصالح العامة ومصالح الأفراد لا يفصل فيها إلا وحي منزل، فالناس يدركون قبح الأشياء وحسنها بالجملة، وهناك أشياء يتفقون على قبحها بالجملة وأشياء يتفقون على حسنها بالجملة، غير أنه إذا جاء باب الترجيح في المتعارضات تشتت فيهم الأهواء والآراء.