مراتب مخالفة الإجماع ...
مراتب مخالفة الإجماع ...
في العادة الكتب الأصولية تبحث في كيفية انعقاد الإجماع وأنواع الإجماع وحكم مخالف الإجماع وما الذي ينقض الإجماع ؟
غير أن هناك مبحثاً يفتقر إلى التحرير وهو مراتب مخالف الإجماع، فعادة ما يحكم بحكم واحد على مخالف الإجماع وهذا ليس دقيقاً، فقد نسب بعض أئمة أهل السنة إلى مخالفة الإجماع في مسائل، وشنع على آخرين لمخالفتهم الإجماع، فعلم من مجموع هذا أن الإجماع يختلف ظهوراً وخفاءً وذلك يقتضي ضرورة اختلاف حكم مخالف الإجماع.
داعي بحث هذه المسألة ما قرأته في الكليات للكفوي الحنفي حيث قال في ص43: "وكفر جاحد الإجماع ليس بكلي ألا يرى أن متروكة التسمية عمدا محرمة عند الحنفية، ثابتة بالإجماع؛ مع أن الشافعي قائل بحلها والخلوة الصحيحة كالوطء عند الحنفية بالإجماع، وليس كذلك عند الشافعي، وترث زوجة الفار عند الحنفية بالإجماع، ولم ترث عند الشافعي، وأشباه ذلك"
هنا هو ينسب للشافعي مخالفة الإجماع في بعض القضايا، وقد يستغرب هذا بعض الناس فيقول: كيف ينسب الشافعي لمخالفة الإجماع وهو أحد رجالات الإجماع ؟
فيقال: عند الفقهاء من كل المذاهب شيء يسمونه الإجماع القديم وهو إجماع الصحابة والتابعين وهم متفقون على أنه حجة وملزم وإن خالفه من خالفه من الفقهاء.
والإمام الشافعي رحمه الله شن حملة قسورية على مخالفي السنن من أهل الرأي وأبطل أصولهم ونصر السنة نصراً عظيماً، وما اكتفى بذلك حتى ذهب إلى بعض فقهاء أهل الحديث وألزمهم بما صح عنده من السنن ورد عليهم.
غير أنه على جلالته وسعة علمه شأنه شأن أي عالم ما خلت أقواله من أقوال مرجوحة، بيّنها من جاء بعده من فقهاء أهل الحديث مثل أحمد وإسحاق، وأكثر الطبري وداود الأصبهاني وابن المنذر من تعقب الشافعي بنحو ما كان يتعقب به مالكاً، ويبدو أنه ظهر في بلاد العجم من يتعصب للشافعي جداً لأنه كان يرد على أهل الرأي وأهل المدينة فاستفز ذلك هؤلاء فصاروا يتقصدونه بالتعقب.
واللافت للنظر أن في تعقبات عدد من هؤلاء نسبة الإمام رضي الله عنه إلى مخالفة الإجماع القديم في بعض المسائل، وقد وقع من بعض الشافعية نسبة الإمام أحمد إلى ذلك في الصلاة في الأرض المغصوبة (وكلامهم ليس صحيحاً) غير أن بعض المسائل فعلاً تجد فتاوى الصحابة والتابعين لا يكاد يوجد فيها ما يعضد قول الإمام الشافعي، وهذا ليس مختصاً بالشافعي بل حتى مالك وأبو حنيفة لهما من ذلك.
ويمكن أن يُعتذر للإمام أن الإجماع المبني على استقراء مواقف الصحابة والتابعين قد يكون أخفى من السنن الصحيحة، فمعلوم لكل دارس حديث أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر تداولاً بين الناس من فتاوى الصحابة والتابعين، وعمل الناس على تنقيحها ولا شك كل فقيه يعرف من فتاوى الصحابة والتابعين طرفاً غير أن جمع فتاويهم على تفرقهم في البلدان عملية أعسر من جمع السنة القوية
غير أنه لاحقاً لما جمعت المصنفات والجوامع حصرت فتاويهم تكشفت الكثير من الإجماعات الخفية التي خفيت على بعض الأئمة، كما أنه عند جمع الجوامع تكشفت الكثير من السنن الصحيحة.
والشافعي كان يعتد بالإجماع ولكنه ما كان يظهر له في كل مرة، كما أن غيره كان يعتد بالسنن ولكن ما كان يظهر له في كل مرة بخلاف من يردون السنن بالرأي.
وللمعلومية ردود فقهاء أهل الحديث على الإمام الشافعي فرح بها أهل الرأي، خصوصاً في المسائل التي كان قولهم فيها موافقاً لقول هؤلاء الفقهاء من أهل الحديث، وصاروا يشيعون هذه المسائل في كل مصنف ومناسبة، علما أن فقهاء الحديث هؤلاء الذين ردوا على الإمام عرفوا فضله في الرد على أهل الرأي وردوا على أهل الرأي ردوداً في أمور رأوها أفحش من أغلاط الإمام الشافعي رحمه الله.
وهذا يشبه من بعض الأوجه هجوم بعض متأخري الأشعرية على ابن تيمية في مسائل فقهية وفرحهم بردود بعض أهل الحديث عليه (خصوصاً في قضايا الطلاق التي تحول غالب الأشعرية في زماننا إلى قول الشيخ) ثم هم يسكتون على نظير هذه الأغلاط وأشد إن صدرت من الغزالي أو حتى ابن عربي! وقد نبه على هذا المعنى أبو الحسن الفقيه في التنبيه المبدي لتمويه السبكي.
فإن قيل : اضرب لنا أمثلة في مسائل ادعى فيها بعض المجتهدين الإجماع وقد خالف فيها مجتهدون آخرون قد تكون فكرتك موثقة بعيداً عن نقل الكفوي الذي قد لا يخلو من تحامل
قال ابن قدامة في المغني:" قيل لأحمد، - رحمه الله -: بأي حديث تذهب، إلى أن التكبير من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؟ قال: بالإجماع عمر، وعلي، وابن عباس، وابن مسعود - رضي الله عنهم -. ولأن الله تعالى قال: {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203]. وهي أيام التشريق، فتعين الذكر في جميعها، ولأنها أيام يرمى فيها، فكان التكبير فيها كيوم النحر. وقوله تعالى: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} [الحج: 28]"
علما هذا خلاف مذهب مالك والشافعي إذ مذهبهم أن التكبير من صلاة الظهر يوم النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق.
=
=
وقال ابن قدامة في المغني: "قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهذا يدل على أن النعلين لم يكونا عليهما؛ لأنهما لو كانا كذلك لم يذكر النعلين، فإنه لا يقال: مسحت على الخف ونعله؛ ولأن الصحابة - رضي الله عنهم -، مسحوا على الجوارب، ولم يظهر لهم مخالف في عصرهم، فكان إجماعا؛ ولأنه ساتر لمحل الفرض، يثبت في القدم، فجاز المسح عليه، كالنعل"
وهنا ابن قدامة يرد على أبي حنيفة ومالك والشافعي وينتصر لمذهب أحمد.
ونقل أحمد اتفاق التابعين على عدم جواز الصيد بالكلب الأسود واحتج بذلك مع أن أبا حنيفة ومالكاً والشافعي خالفوا.
والسؤال هنا: إذا ثبت أن بعض المجتهدين خالف إجماعات قديمة مع أنه يحتج بها إن ثبتت عنده فعلى هذا معناه أن كل مخالف للإجماع معذور ويقاس على هؤلاء المجتهدين؟
فأقول: هنا بيت القصيد ومنشأ التخبط عند كثير من المتأخرين وهو عدم تقدير اختلاف درجات ظهور الإجماع، وأن ليس كل من قال بقول وعذر به جاز تقليده فقد يكون المجتهد معذوراً وقد يكون من يقلده ليس معذوراً لأنه ظهرت له من الأدلة ما خفي على ذلك الإمام.
والعذر في بعض المسائل لا يقتضي العذر فيها كلها لتفاوتها في الظهور
وبيان ذلك:
أن الحديث الصحيح والإجماع الصحيح ملزم لكل من ثبت عنده، ولكن كما أن الحديث الصحيح في ثبوته على مراتب:
فمنه المتواتر الذي منكره يكفر كخبر الرجم.
ومنه الثابت الذي منكره أو مدعي التعارض بينه وبين القرآن أو أخبار أخرى يبدع كالأمور التي ينكرها الخوارج.
ومنه ما يكون متردداً.
فكذلك الإجماع
فهناك الإجماع المبني على آثار تابعين أو صحابة تعرف بالاستقصاء، وخالف في ذلك بعض مشاهير المجتهدين المتبوعين فهذا مرتبة، وقد يعذر في ذلك من لم يعرف كلام السلف وفقط تربى على كلام هؤلاء المتبوعين كما هو حال غالب الناس في الأزمنة المتأخرة.
وأقوى منه الإجماع الذي ثبت بآثار صحابة وتابعين وسلم له الفقهاء المتبوعون قاطبة، وإنما خالف بعض من تأخر فهنا الإجماع يكون أشد وأقوى، لذا أحمد اشتد نكيره على أبي ثور لما قال بجواز مناكحة المجوسيات وأكل ذبائح المجوس.
وأقوى منه الإجماع الذي يسلم له الفقهاء في طبقة أتباع التابعين والآخذين عنهم، ويكون مبنياً على آثار مستفيضة وأخبار ليست قوية جداً، كمثل الإجماع على حرمة المعازف، أو إتيان المرأة في الدبر، فهذا ينكرون على مجيزه وبعضهم يقبل شهادته إن كان حاله في الغالب العدالة وعدم تتبع الرخص كما صنع الشافعي في الأم.
وأقوى منه الإجماع الذي يسلم له الفقهاء من طبقة أتباع التابعين والآخذين عنهم، ويكون مبنياً على أخبار قوية وآثار، وقوة الأخبار تتفاوت، فعلى سبيل المثال بعد تصنيف الصحيحين صار ورود الخبر في الصحيحين مقوياً جداً لرفع رتبة الإجماع وبالتالي يزيد التثريب على المخالف.
وأقوى منه الإجماع الذي يسلم له الفقهاء وتشتهر مخالفة أهل البدع لأهل السنة فيه، مثل الروافض والخوارج كمثل مسألة المسح على الخفين.
وأقوى منه الإجماع الذي يكون مبنياً على خبر متواتر كأمر الرجم والردة.
وأقوى منه الإجماع المبني على أدلة الكتاب والسنة والفطرة والآثار المستفيضة، كالإجماع على علو الله عز وجل على خلقه وأنه يفعل ما شاء متى شاء.
وقد يكون هناك إجماع صحيح ويحصل تشوش لبعض العلماء المتأخرين بسبب نقل بعض المتقدمين ما يفهم منه الخلاف، فهذا يناقش ويرد عليه، وقد يعذر العالم إن كانت قد اجتمعت عنده قرائن قوية تدله على وجود خلاف صحيح، كما حصل مع بعض متأخري أهل الحديث في بعض مسائل الطلاق وحتى بعض المسائل الغيبية.
ومن لا يدرك مراتب الإجماع يأتيك بشذوذ لمتأخر في المعازف مثلاً ويحاول أن ينقض به الإجماع القديم، سبحان الله إذا كان الناس يستدلون على الشافعي بالإجماع السابق فما بالك بابن حزم؟
ومنهم من يجيز لك مخالفة الإجماع القديم أو حتى الحديث الصحيح إذا كنت مقلداً لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي ثم هو لا يجيز لك اتباع كلام أئمة الجرح والتعديل في إمام أهل الرأي لأجل إجماع موهوم للمتأخرين، مع أن الإجماع لا ينعقد بعد الخلاف المستقر على الصحيح، فكيف ينعقد مع مخالفة قول جمهور المتقدمين بل ما عليه شبهة لإجماعهم.
وعلى فهم الشباب اليوم وكثير من المنتسبين للعلم الذين يسوون بين المسائل من ناحية الظهور والخفاء، إما أن يبدع مجتهدي أهل السنة وإما أن يسكت عن مخالفي الإجماع مطلقاً، وهذه طريقتهم في النظر في عامة المسائل لا يدركون تفاوتها ظهوراً وخفاءً، وهذا منشأ سيادة الغلو والجفاء في هذه الأزمنة المتأخرة.
الكفر المقنَّع بالتنزيه (غناه سبحانه لا يقتضي تركه لعباده بلا ثواب وعقاب)!
خلاصة شبهة الكثير من الربوبيين والملاحدة وكل منكر للبعث أن الله غني عن العالمين وبما أنه غني عن العالمين فلماذا يأمرنا وينهانا ويرسل إلينا الأنبياء ثم يحاسبنا، وهذه الشبهة خلاصتها أنها تنسب لله عز وجل من النقص أعظم مما تزعم أنها تنزهه عنه فأصحاب هذه الشبهة يزعمون أن الكفر بالله والإيمان به مآل معتقد هذا ومعتقد هذا واحد كلهم نهايتهم العدم!
وأنه سبحانه بكل شيء عليم ولكن المرائي ومن أخلص له مآلهما واحد؛ وغناه عن العالمين معناه أنه لا يضره كفرهم ولا يزيد في ملكه إيمانهم وهذا لا ينافي ثوابه وعقابه سبحانه بل ذلك من كماله فهو له حقوق على عباده ويظهر من خلال هذه الحقوق آثار أسمائه كالحليم والغفور والرحيم فإنما يحلم ويغفر ويرحم من له حق على الآخرين وهو قادر على عقوبتهم
قال تعالى: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور }.
هذه الآية تتضمن الرد على هذه الشبهة المتهافتة، فقال سبحانه {إن تكفروا فإن الله غني عنكم} فبين حقيقة غناه وما يتوهمه الزنادقة أنه محتاج لعباده.
ثم قال: {ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم}، فبين أن غناه لا يقتضي إهمال الخلق والتسوية بين الكفر والإيمان في الثواب والعقاب كما يعتقد الربوبيون والوثنيون –وإن كان الوثنيون يثبتون ثواباً وعقاباً دنيوياً ولكن هذا لا يغني عن أمر الآخرة-.
ثم قال سبحانه: {ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم}، فبين سبحانه أنه يحاسب عباده على العدل التام ونرى الناس في الدنيا يتظالمون ويحيف بعضهم على بعض والنفوس متشوفة للعدل فعلم أن هناك يوماً آخراً
ثم قال سبحانه: {ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور}.
ثم هذا وجه آخر من وجوه تبيان ضرورية اليوم الآخر حيث تبلى السرائر ففي الدنيا نرى هذا يعمل صالحاً وهذا يعمل صالحاً ولكن أحدهما مخلص والآخر مرائي وهذا إنما يكشف على التمام يوم القيامة.
شهادة أبي البقاء الكفوي على متأخري الأشعرية والماتردية بمخالفة السلف ...
المشاهد للنشاط الأشعري الصوفي في وقتنا يجد أنهم دائماً ينبهون على أنّ المتصدر لا بد أن تكون له طريقة صوفية (هذا في غالبهم) ثم يحاولون إيهام الناس أنّ الطرق الصوفية منسجمة تماماً مع بعضها ولا يوجد بينهم نزاعات، وهذا صحيح، لكن هناك مساع جادة لجمع كلمتهم على كثرتهم.
ثم يقولون أنّ المرء لا بد أن يكون في العقيدة على مذهب الأشاعرة أو الماتردية ويصورون أيضاً انسجاماً موهوماً بين هذين المذهبين على تقاطع كبير بينهما ويعنون بالأشعرية والماتردية ما استقر عليه متأخروهم لا ما كان عليه متقدمي الأشعرية مثلا.
ثم يقولون أن المرء لا بد له أن يتمذهب بأحد المذاهب الأربعة الحنبلي والشافعي والمالكي والحنفي، لا تثريب على من اتخذ أي واحد من هذه الأربعة ويصورون أيضاً الانسجام، ويعنون بالمذاهب الأربعة ما اعتمده غالب المتأخرين في هذه المذاهب.
ويزعمون أنه لا تناقض ولا تنافر بين التمذهب بأي مذهب فقهي أو طريقة صوفية أو مذهب كلامي، وهذا التصوير ينقضه حقائق كثيرة، من أهمها حقيقة التنافر الحنبلي الأشعري الذي هو حقيقة قطعية لا يمكن دفعها تاريخياً إلا بتكلف شديد ولا يمكن ذلك.
غير أن الأمر أعمق من ذلك، في الأيام الماضية اطلعت على كتاب الكليات لأبي البقاء الكفوي الحنفي المتوفى عام (1094هـ) أي بين وفاته وولادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب 21 عاماً فهو نموذج جيد لدراسة الوضع قبل ظهور الدعوة السلفية في نجد والكفوي حنفي يعني ينتمي لمذهب الدولة العثمانية.
وجدت في كتابه أموراً كثيرة لافتة للانتباه وقبل النقل الأول سأنقل كلمة من طبقات الشافعية الكبرى ثم أعود للكفوي.
يقول التاج السبكي الأشعري في كتابه طبقات الشافعية الكبرى (9/9): "وهذان البيتان عارض بهما الزمخشري في قوله
(لجماعة سموا هواهم سنة ... وجماعة حمر لعمري مؤكفه)
(قد شبهوه بخلقه وتخوفوا ... شنع الورى فتستروا بالبلكفه)
وقد عاب أهل السنة بيتي الزمخشري وأكثروا القول في معارضتهما، ومن أحسن ما سمعته في معارضتهما ما أنشدناه شيخنا أبو حيان النحوي في كتابه عن العلامة أبي جعفر بن الزبير بغرناطة إجازة لم يكن سماعا، أنشدنا القاضي الأديب أبو الخطاب محمد بن أحمد بن خليل السكوني بقراءتي عليه عن أخيه أبي بكر من نظمه، ثم رأيتها في كتاب أبي علي عمر بن محمد بن خليل المسمى ب التمييز لما أودعه الزمخشري في كتابه من الاعتزال في الكتاب العزيز وقال أجابه عم والدي وهو يحيى بن أحمد الملقب بخليل بهذه القصيدة، ولوالدي فيها تكميل ولي فيها تتميم وتذييل
(شبهت جهلا صدر أمة أحمد ... وذوي البصائر بالحمير المؤكفه)
(وزعمت أن قد شبهوا معبودهم ... وتخوفوا فتستروا بالبلكفه)
(ورميتهم عن نبعة سويتها ... رمي الوليد غدا يمزق مصحفه)"
إلى آخر تلك القصيدة ونقل السبكي نقائض كثيرة على الزمخشري، الزمخشري يسخر من قول أئمة أهل السنة كمالك وابن عيينة (أمروها كما جاءت بلا كيف) في أخبار الصفات ويقول أنهم مشبهة يتسترون ب(البلكفة) يعني قولهم (بلا كيف)
ورد عليه هذا الشاعر بأنه يرمي سلف الأمة بالتشبيه وهو في الحقيقة معطل، وقد أقر السبكي أن سلف الأمة تكلموا ب(البلكفة) والزمخشري رماهم بالتشبيه والزمخشري على عقله يدرك تماماً أن السلف ما كانوا يعنون بهذه اللفظة إلا الإثبات لا التفويض فالتفويض يعني التوقف، فأنا لو سألتك (في بيتكم حديقة) فقلت (لا أدري) فلن تحترز ولكن لو قلت في بيتكم حديقة فقلت نعم، فساعتئذ قد تحترز وتقول (ليس من صفتها كذا وكذا ومن صفتها كذا وكذا أو لا أعرف تفاصيل شكلها أو كيفيتها)
بعدما قرأنا كلام الزمخشري لنذهب إلى كلام الكفوي في الكليات، يقول الكفوي في ص550: "وقد اتفق الأئمة على إكفار المجسمة المصرحين بكونه جسما وتضليل المستترين بالبلكفة"
هنا ينقل الاتفاق على تكفير المجسمة المصرحين بأنه سبحانه جسم لا كالأجسام وتضليل (المستترين بالبلكفة) فمن هم هؤلاء؟
لاحظ أن وصفه لهم كمثل وصف الزمخشري للسلف (مستترين بالبلكفة)
وقال الكفوي في الكليات في ص 766: "وأصل ضلالة الحشوية التمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة من غير بصيرة في العقل، حيث قالوا بالتشبيه والتجسيم والجهة عملا بظواهر النصوص"
فالحشوية ضلالهم أنهم يأخذون بظواهر النصوص من الكتاب والسنة وهم يقولون بالبلكفة، حقيقة من يسميهم الكفوي حشوية هم من يسير على طريقة السلف.
ويقول في ص549: "إلا أن استرسال التأويل على التفصيل كجمهور الأشاعرة غير ظاهر في جميع تلك الصفات بل هو مؤد إلى إبطال الأصل المعجز عن إدراكها بلا كيفيات وخلاف لما عليه السلف من التوقف في المتشابهات"
فهو هنا يعترف بأن التأويلات المشهورة عند الأشعرية المتأخرين ليست هي طريقة السلف، ولكنه ينسب للسلف التفويض.
ويقول في ص766: "وجميع ما نقل عن الفلاسفة قد نطق به فريق من فرق الإسلام، فمذهبهم في الصفات الإلهية واعتقادهم التوحيد فيها من مذاهب المعتزلة"
=
=
فهو هنا يعترف أن مذاهب المعتزلة في التوحيد هي مذاهب الفلاسفة، وكل عاقل يعرف أن مذاهب الأشاعرة والماتردية في باب (التنزيه والتوحيد) قريبة جداً من مذاهب المعتزلة، وهي أقرب إلى مذاهب المعتزلة منها إلى ظواهر النصوص وظواهر آثار السلف.
ومع ظنهم أن ظواهر النصوص تشبيه، تجدهم يقولون أن الله عز وجل لا داخل العالم ولا خارجه ثم يصفون الروح بهذه الصفة فيقولون أنها لا داخل العالم ولا خارجه، فيظهر لكل عاقل أن تعريفهم للتشبيه ينطبق عليهم أيضاً.
قال الكفوي في ص465: "فإذا أخذت جميع الموجودات أو جميع ما به قوام الإنسان في كونه إنسانا كان الروح واحدا من جملتها، لا هو داخل ولا هو خارج ولا هو منفصل ولا هو متصل، بل هو منزه عن الحلول في المحال والاتصال بالأجسام والاختصاص بالجهات، مقدس عن هذه العوارض، وليس هذا تشبيها وإثباتا لأخص وصف الله تعالى في حق الروح، بل أخص وصفه تعالى أنه قيوم أي: قائم بذاته، وكل ما سواه قائم به، فالقيومية ليست إلا لله تعالى"
وعلى طريقة الكفوي في نفي التشبيه يمكن لكل إنسان أن يأخذ بظواهر النصوص ويثبت لله القيومية على أنها أخص صفة ويكون هارباً من التشبيه.
وقال الكفوي في ص109: "واختلف في معنى {الرحمن على العرش استوى} فقيل: بمعنى استقر، وهو يشعر بالتجسيم؛ وقيل: بمعنى استولى، ولا يخفى أن ذلك بعد قهر وغلبة؛ وقيل: بمعنى صعد"
هذه التفاسير التي يقول أنها مشعرة بالتجسيم هي التفاسير المشتهرة في كتب السلف، وقد اعتمد البخاري نحوها في صحيحه.
فالخلاصة أنه معترف بأن متأخري الأشاعرة والماتردية لهم تأويلات (بل عامة تأويلاتهم كذلك) ليست في كلام السلف، وأن خصومهم يأخذون بظواهر النصوص، وأن المعتزلة أخذوا من الفلاسفة، ثم هو يذم خصومه بنحو ذم المعتزلة للسلف، ثم هو يتهم بالتشبيه فيدفع عن نفسه التهمة مع رميه كلام السلف بأنه تجسيم.
وقال الكفوي في الكليات ص213: "والإيمان شرعا: هو إما فعل القلب فقط، أو اللسان فقط، أو فعلهما جميعا، أو هما مع سائر الجوارح
فعلي الأول: هو إما التصديق فقط، والإقرار ليس ركنا، بل شرط لإجراء الأحكام الدنيوية، وهو مختار الماتريدي. وقال الإمام الرضي وفخر الإسلام: إنه ركن أحط، فإنه قد يسقط [بما فيه شائبة العرضية والتبعية]
أو التصديق بشرط الإقرار، وهو مذهب الأشعري وأتباعه، ولا دلالة في قوله تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا} على أن الإقرار باللسان خارج عن حقيقة الإيمان المصطلح عند أهل الشرع، إنما دلالتها على أنه خارج عن الإيمان بمعنى التصديق بالله وبرسوله، وليس هذا مما يقبل النزاع.
والرابع: مذهب المحدثين، وبعض السلف، والمعتزلة، والخوارج"
هو هنا يوضح أن مذهب المحدثين في تعريف الإيمان هو خلاف مذهب الأشعري والماتردي.
ومن ضمن السلف الذين خالفهم الأشعري والماتردي (وأكثر الحنفية) كما صرح به هو في موضوع آخر ، من ضمن هؤلاء الإمام الشافعي
فقال في ص214: "بهذا تبين قبح قول الحشوية أن الإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان"
فمن هم هؤلاء الحشوية ؟
هو يقول بنفسه: "وحجة الشافعي في أن الأعمال الصالحة من الإيمان قوله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} أي: صلاتكم"
ومعلوم أن هذا ليس هو مذهب الشافعي لوحده بل مذهب مالك وأحمد، ومن يرجع للمدونات العقدية القديمة يجد أن هذه المسألة مسألة سنة وبدعة والسلف يصفون المخالف لهم بالإرجاء.
وهو نفسه يقول حين تكلم على مسألة الاستثناء في الإيمان: "والذين قالوا: الطاعة داخله في الإيمان، فمنهم من جوز مطلقا وهو ابن مسعود وقوم من الصحابة والتابعين والشافعي، ومنهم من جوز في الاسقبال دون الحال، وهو جمهور المعتزلة والخوارج والكرامية" ثم ادعى رجوع ابن مسعود.
فرمي السلف بالتجسيم وقول الخوارج والحشوية أمر متكرر في مصنفات القوم خصوصاً الحنفية منهم، الذين يشتد كثير منهم في مسائل الإيمان التي ناقضهم فيها السلف.
ثم يبرزون أنفسهم على أنهم من يحفظ التراث في مقابل التيارات السلفية! وهذا والله حيف وعكس للأدوار بل من يذب عن السلف وعقيدتهم هم السلفيون وما يقع لبعضهم من الزلل لا يقارن بما يصدر من القوم.