إلغاء الرق لم يكن فعلًا أخلاقيًّا!
إلغاء الرق لم يكن فعلًا أخلاقيًّا!
كنت تكلمت مرارًا في هذه القناة عن موضوع الرّق وإلغائه، وأن الرّق لا زال موجودًا اليوم بصور مقنَّعة، وأن الإلغاء لم يكن خيارًا، ولي مقال اسمه "اعتراف كاتبة إيطالية" في المدونة وأحسب أنه هنا في القناة، وأحلت مرة على كتاب "أنا حررت نفسي"، واليوم مع اعتراف جديد في هذا السياق.
وهو من كتاب "الإمبراطورية إمبراطورية العالم الجديد" للكاتبين مايكل هاردت وأنطونيو نيغري، وهو من أعمق الكتب في تاريخ الرأسمالية وآلياتها.
قال الكاتبان في ص١٩١:
«ليست المسألة هنا قضية شجب اللاعقلانية البرجوازية فقط، بل هي مسألة فهم معضلة كيف يمكن للعبودية والاستعباد أن يتطابقا تطابقًا كاملًا مع الإنتاج الرأسمالي، وهما آليتان تعرقلان حركة قوة العمل وتجمدانها في مكانها؟ ليست العبودية وسائر الأشكال المختلفة للتنظيم القسري للعمل -من الكولييه (العتالة) في المحيط الهادي، والبيونية (السخرة) في أمريكا اللاتينية، إلى الفصل العنصري (الأبارتهايد) في جنوب أفريقيا- إلا عناصر جوهرية كامنة في عمق عمليات التطور الرأسمالي. في هذه الفترة تعانقت العبودية مع العمل المأجور مثل شريكي رقص عبر الخطوات المنسَّقة للتطور الرأسمالي.
من المؤكد أن العديد من أنصار إلغاء الرق الشرفاء والمتنوِّرين في أوروبا والأمريكيتين، في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، شجبوا العبودية وهاجموها من منطلقات أخلاقية. غير أن الحجج الإلغائية لم تكتسب بعض القوة الحقيقية إلأ حين كانت تخدم مصالح رأس المال، حين ساهمت في تقليص أرباح الإنتاج العبودي لدى أحد المنافسين مثلًا. وحتى عندئذ بقيت قوة هذه الحجج محدودةً إلى حد بعيد. لا الحجج الأخلاقية محليًّا. ولا حسابات الربحية خارجيًّا كانت قادرةً، في الحقيقة، على دفع رأس المال الأوروبي نحو تفكيك الأنظمة العبودية. ما من شيء سوى تمرد العبيد أنفسهم وثورتهم استطاعت أن توفر عَتَلَةً مناسبة. تمامًا مثلما لا يكون تحرك رأس المال باتجاه إعادة بناء الإنتاج واستخدام تكنولوجيات جديدة إلا ردًّا على التهديد المنظم لعداء العمّال، لم يكن رأس المال الأوروبي، هو الآخر، مستعدًا للتنازل عن نمط الإنتاج العبودي حتى أصبح العبيد المنظمون يشكلون تهديدًا لسلطته وجعلوا ذلك النظام الإنتاجي غير قابل للحياة. بعبارة أخرى، لم يتم إلغاء العبودية والتخلي عنها لأسباب اقتصادية، بل جرت الإطاحة بها، بالأحرى، بفضل قوى سياسية. أدت الاضطرابات السياسية، بطبيعة الحال، إلى تقليص الربحية الاقتصادية للنظام، ولكن الأهم هو أن العبيد الثائرين باتوا يشكلون قوة مضادة حقيقية. من المؤكد أن الثورة الهايتية كانت منعطفًا في تاريخ حركات تمرد العبيد -وظل شَبَحُها يجول عبر الأمريكيتين في العقود الأولى من القرن التاسع عشر تمامًا مثل شَبَح ثورة أكتوبر التي أقضَّتْ مضاجع الرأسمالية الأوروبية بعدما يزيد عن القرن. غير أن على المرء ألَّا ينسى أن التمرد والتناقض كانا ملازمين للعبودية في سائر أرجاء الأمريكيتين من مدينة نيويورك إلى باهيا. فالاقتصاد العبودي لم يكن، مثله مثل اقتصاد الحدائة نفسها، إلَّا اقتصاد أزمة.
يشي الزعم القائل بأن أنظمة العبودية والرّق متأصلة في الإنتاج والتطور الرأسماليين بالعلاقة الحميمة بين رغبة الذوات العاملة في الهروب من علاقة الأوامر من جهة، ومحاولات رأس المال الرامية إلى حصر السكان داخل حدود إقليمية ثابتة من جهة ثانية. يؤكد يان مولييه بوتانغ طغيان خطوط الهروب والفرار هذه على تاريخ التطور الرأسمالي، إذ يقول:
"ثمة قوة ارتداد مُغفَلة، جماعية، مستمرة، وغير قابلة للاحتواء هي التي دفعت سوق العمل نحو الحرية. وهذه القوة نفسها هي التي أجبرت الليبرالية على إنتاج الاعتذار للعمل الحر، لحق الملكية، وللحدود المفتوحة. وقد أدت إلى إلزام الاقتصاديين البرجوازيين إلى اعتماد نماذج تجمّد العمل، تضبطه، ولا تبالي بعناصر الهروب المتواصل دون انقطاع. وقد ساهم ذلك كله في اختراع وإعادة اختراع ألف شكل وشكل من أشكال العبودية. وهذا الجانب الذي يتعذر تجتبه من جوانب التراكم يكون سابقًا لمسألة بَلْتَرَة الحقبة الليبرالية. إنه يُرسي أسس الدولة الحديثة".
لعلَّ الرغبة في نسف الحدود الإقليمية لدى الجمهور هي المحرك الذي يدفع عملية التطور الرأسمالي برمتها، ويتعين على رأس المال أن يسعى باستمرار لاحتوائها».
أقول: يعنون بالثورة "الهايتية" الثورة التي حصلت في دولة هاييتي، حيث ثار الرقيق على السادة وطردوهم، ولهذا هذه البلد إلى اليوم ذات غالبية سوداء.