في رحاب طبيب الأئمة
في رحاب طبيب الأئمة
مرة كنت أكلم الأخوة في دروس الإبانة الصغرى قبل سنوات عدة فقلت لهم عن رجل كان سبب رجوع سفيان عن التشيع ورجوع الخليل بن أحمد الفراهيدي عن قول الإباضية ورجوع الحسن عن تأثره ببعض كلام القدرية مع مخالفته لهم بالجملة
فتعجبوا من هذا العلم وكيف أن ذكره مغمور مع عظيم أثره في الأمة وفي الواقع الأعلام المغمورون نوعان نوع لا يعرف أصلاً ونوع يعرف ولكن لا يعرف عظيم أثره
وصاحبنا من النوع الثاني وهو أيوب السختياني التابعي البصري الشهير في التثبت في الحديث والزهد والعبادة غير أن أثره في نصرة السنة هو الذي لا يسلط عليه الضوء كثيراً
أخرج أبو نعيم في "الحلية" بسنده إلى زيد بن الحباب قال: "كان رأي سفيان الثوري رأي أصحابه الكوفيين، يفضل علياً على أبي بكر وعمر، فلما صار إلى البصرة رجع عنها، وهو يفضل أبا بكر وعمر على علي، ويفضل علياً على عثمان"
وفي سير أعلام النبلاء توضيح :" عن زيد بن الحباب قال خرج سفيان إلى أيوب وابن عون فترك التشيع"
فهذه أول واحدة لأيوب وقبل تجاوزها أنبه إلى أن سفيان رجع عن تفضيله لعلي على عثمان ففي السنة للخلال بسند قوي عنه أنه كان يقول أبو بكر وعمر وعثمان . وفي مسند أحمد رجوعه عن شرب قليل النبيذ ( الذي لا يسكر قليله ) وكثير ممن يعتمد سير أعلام النبلاء ولا يرجع للمصادر القديمة لا يعلم بهذا وليتهم حفظوا لسفيان حقه على إمامته وإنما الناس اليوم عندهم كلف بالدفاع عن إمام اهل الرأي بالممحاكات وادعاء تراجعات لا حقيقة لها وإذا جاء الأمر إلى أئمة السنة والحديث فرح بما روي من زللهم وكتم ما قيل في تراجعهم حتى يقيسوا عليه طوام المتأخرين مع أنه حتى لو لم يرجع فالأمر قائم على التأول في الخفيات لا مكابرة الجليات
وأما الثانية فقال فقال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود ، قال : قال حماد بن زيد : كان الخليل بن أحمد يرى رأى الإباضية حتى من الله عليه بمجالسة أيوب .
وليس هذا بمستبعد على أن كتاب الآجري هذا فيه غرائب عديدة والخليل بن أحمد الفراهيدي من أئمة اللغة وهو صاحب العروض المعروف وقد تتلمذ على أيوب حقا
وأما الثالثة فقال يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ حدثنا أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: أنا نازلت الحسن في القدر غير مرة حتى خوفته بالسلطان. فقال: لا أعود فيه بعد اليوم
ومعلوم أن الحسن يقول بأن الله يعلم بالأمور قبل وقوعها ولا يقول بقول المعتزلة بأن العباد يخلقون أفعالهم ولكن كان يقع منه ومن غيره إذا رأوا بعض العصاة يستدلون بالقدر أنه يضيق عليهم الجواب حتى يتكلموا بكلام يتشبث به القدرية وهذا كان باب وعظ أيوب للحسن وقد اعتنى أبو داود في سننه والآجري في الشريعة ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ والفريابي في القدر وغيرهم بجمع آثار الحسن التي تبين مخالفته لمعتقد القدرية
وأيوب هو تلميذ الحسن وكان كل واحد منهما معجباً بصاحبه
وقد روى الإمام مالك في الموطأ عن أيوب وعادته أنه لا يروي عن العراقيين ولكن استثنى أيوب لجلالته في نفسه
و قال أبو جعفر ابن الطباع ، عن حماد بن زيد : كان أيوب عندى أفضل من جالسته ،
و أشده اتباعا للسنة
و قال أبو حاتم : سئل ابن المدينى : من أثبت أصحاب نافع ؟ قال : أيوب و فضله ،
و مالك و إتقانه ، و عبيد الله و حفظه .
هذا مع أن نافعاً كان من أهل المدينة سافر أيوب هناك ونافس كبار أصحابه وفاقهم عليه
و قال أبو بكر الحميدى : لقى ابن عيينة ستة و ثمانين من التابعين ، و كان يقول : ما لقيت فيهم مثل أيوب
والثناء عليه كثير وهو محل إجماع ولا نخلي المقام من ذكر إمام أهل السنة
قال أبو إسماعيل الأنصاري في ذم الكلام :" وقال رجل لأحمد بن حنبل [رحمه الله]: ((من السني؟ قال: من [أين] أنت؟ قال: من أهل البصرة. قال: أتحب أيوب السختياني؟ قال: نعم. قال: فأنت سني)).
هذه قصة أهل البصرة".