معالجة النصوص لعقدة المغلوب..
معالجة النصوص لعقدة المغلوب..
اشتهر عند الناس عبارة (الناس على دين ملوكهم) و (المغلوب مولع بتقليد الغالب) وكلاهما من باب واحد، ونرى اقتداء الناس بالمشاهير.
وسبب ذلك اعتقاد المرؤوس أو المغلوب أن الرئيس أو الغالب أكرم منه وأعلى منه، فيحاول تقليد أحواله حتى ينال هذه الكرامة التي يطمح إليها، فيُقلِّد حتى ما كان من الأحوال الجبلية أو العادات التي لا علاقة لها بالغلبة أو الرئاسة.
ولو كان هذا المغلوب عنده أمر يعتز به ويعتقد أنه أكرم من الغالب بسبب هذا الأمر لَمَا وقع في عقدة تقليد الغالب.
قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرَمَكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات]
الغفلة عن هذا المعنى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} هو ما يورث عقدة المغلوب، إذ ينسى المغلوب أن عند الله ميزانًا غير ميزان الخلق، وعليه لا ينبغي أن يغبط الغالِبَ إن كانت غلبته على حساب دينه وتقواه، والغلبة لا تدوم لأحد فتلك أيام يتداولها الناس، والتقيُّ ينفعه تقاه في كل حال.
قال أحمد في مسنده 21395 - حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر، انظر أرفع رجل في المسجد " قال: فنظرت، فإذا رجل عليه حلة، قال: قلت: هذا. قال: قال لي: "انظر أوضع رجل في المسجد " قال: فنظرت، فإذا رجل عليه أخلاق، قال: قلت: هذا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَهذا عند الله أخير يوم القيامة من ملء الأرض مثل هذا".
هذا الحديث الصحيح بمعنى الآية {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، فقد يكون مَن تزدريه الأعين لتُقاه خير من ملء الأرض ممن يعظِّمه الناس لدنياه.
واليوم فتنة الناس أنهم يظنون أن أخص صفاتهم أنهم (شعوب وقبائل) فظهرت الوطنية، ومنهم من يظن أن أخص صفاته الجنس فظهرت النسوية، وصار كل واحد يحاسب النصوص الشرعية على هذا الأساس، تعظيم الدنيا، والدين لا يعتبر هذا الميزان الميزان الأعظم، بل التقوى هي الغاية وما سواها وسيلة.
ومن الناس مَن إذا سمع هذا الكلام ظن أنه دعوة للدروشة واعتزال الدنيا، وهذه هي فتنة بعض الحركيين، لا يسمع خطابًا مثل هذا إلا ويفسره هذا التفسير.
تقوى الله تعني أن تعمل بأوامر الله عز وجل، غنيًّا كنت أو فقيرًا، في الحرب والسلم، في مخالطة الناس واعتزالهم، في القريب والبعيد، وفهمها بمعنى الرهبنة لا يفهمه أحد من أهل الملة المعتبرين.