الغزالي: العوام الذين لا يعتقدون عقيدتنا كالبهائم وإذا علمت التركي والهندي عقيدت
الغزالي: العوام الذين لا يعتقدون عقيدتنا كالبهائم وإذا علمت التركي والهندي عقيدتنا سيلحد...
قال الغزالي في «ميزان العمل» ص405: "فلا فرق بين العوام الذين لم يمارسوا العلوم، وبين حمر مستنفرة، فرت من قسورة. أما تراهم كيف اعتقدوا في الله تعالى أنه جالس على العرش تحته مظلة خضراء، إلى تمام ما اعتقدوه في المشتبهات. فأكثر الناس مشبّهة، ولكن التشبيه درجات. منهم من يشبه في الصورة، فيثبت اليد والعين والنزول والانتقال. ومنهم من يثبت السخط والرضى، والغضب والسرور، والله تعالى مقدس عن جميع ذلك. وإنما أطلقت هذه الألفاظ في الشرع على سبيل وبتأويل، يفهمها من يفهمها، وينكرها من ينكرها، ولو تساوى الناس في الفهم لبطل قوله عليه السلام: «رب حامل فقه إلى من أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه»، ولنتجاوز هذا الكلام، فإنه سلسلة المجانين ويحل قيود الشيطان".
أقول: هنا الغزالي يصرح بأن أكثر البشر مشبهة كالحمير، ومن علامات المشبه عنده أن يثبت لله عز وجل الرضا والغضب!
وهذا يبطل دعوى الأشعرية أنهم جمهور الأمة، فإذن عامة المسلمين الذين فتحوا الفتوحات وامتلأت بهم المساجد والرباطات والأوقاف كالحمير عند حجة إسلام الأشاعرة.
والسؤال هنا: لماذا عامة الناس على هذه الاعتقادات؟ ولماذا جاءت ظواهر النصوص بها؟ فعلاوة على أنها فطرة لتوارد الناس عليها بلا تواطؤ، جاءت ظواهر النصوص بها.
قال الغزالي في «ميزان العمل» ص360: "فإن رحمة الله غفلتهم بوجه من الوجوه. وعليه حمل بعضهم قوله عليه السلام: «اختلاف أمتي رحمة»، يعني اختلاف هممهم، ولو عرف الكنّاس ما في صناعته لتركها، ولاضطر العلماء والخلفاء والأولياء أن يتولوها بأنفسهم. وكذلك الدباغة والحدادة والزراعة، وجميع الأمور فلولا أن الله تعالى حبّب علم الفقه والنحو ومخارج الحروف والطب والفقه في قلوب طوائف، لبقيت هذه العلوم معطّلة، ولتشوش النظام الكلي".
فالغزالي يرى أن من رحمة الله أن فطر الناس على تنوع النزعات في العلوم والصناعات، لتستمر الدنيا، وهذا من أحسن ما يستدل به على حرية الإرادة وعلى برهان العناية.
ويقال أيضاً: أيصح أن الله فطرهم على ما يمكن أن يسعدوا به في الدنيا أو تمضي حياتهم ولكن في الاعتقادات تركهم خلواً بلا فطرة أو بفطرة مشوشة ثم جاء بنصوص تزيد عليهم الأمور تشويشاً؟
كل من يدعو إلى السكوت عن هذه الاعتقادات بحجة وحدة الأمة يجد نفسه في مأزق، فالأمة كانت على اعتقاد سليم، حتى جاء هؤلاء وشوشوا الأمور وزعموا أن ظواهر الكتاب والسنة تشبيه، فهم كالورم الذي لا يمكن التعايش معه ولا يعتبر جزءاً من الجسد.
وقال الغزالي في «ميزان العمل» ص407: "فإن وقع له مسترشد تركي أو هندي، أو رجل بليد جلف الطبع، وعلم أنه لو ذكر له أن الله تعالى ليس ذاته في مكان، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلاً بالعالم ولا منفصلاً عنه، لم يلبث أن ينكر وجود الله تعالى، ويكذب به. فينبغي أن يقرر عنده أن الله تعالى على العرش، وأنه يرضيه عبادة خلقه، ويفرح بها فيثيبهم ويدخلهم الجنة عوضاً وجزاء. وإن احتمل أن يذكر له ما هو الحق المبين يكشف له. فالمذهب بهذا الاعتبار يتغير ويختلف، ويكون مع كل واحد على حسب ما يحتمله فهمه".
فهنا الغزالي يقول لك: قرِّر العقيدة التي أعتبرها عقيدة الحمير لأمثال الترك والهنود، لأنك إذا قلت لهم: (الله لا داخل العالم ولا خارجه) ستفتح لهم باب الإلحاد، وهذا اعتراف واضح يعضد مزاعم السلفية في أن نشر العقيدة الأشعرية يؤدي إلى الإلحاد.
فيقول: قرِّر له أن الله على العرش وأنه يفرح ويرضى (يعني الاعتقاد السلفي) فهذا ينفعهم! فإذا آنست منهم ذكاءً علمهم عقيدة الجهمية التي يسميها الغزالي تنزيهاً.
وكأننا نتكلم عن رتب في الماسونية، هذا الصنيع يؤصل لباطنية في العقيدة، عقيدة عامة وعقيدة خاصة، والله المستعان فيمن يسمي هؤلاء أهل سنة أو يهون من شأنهم.
ومن قدوتنا في هذا المسلك الباطني عند الغزالي؟
قال الغزالي في «إحياء علوم الدين» [1/14]: "إذ اكتفى رسول الله ﷺ من أجلاف العرب بالتصديق والإقرار من غير تعلم دليل".
وقال أيضاً: "ثم الصبي إذا وقع نشوه على هذه العقيدة إن اشتغل بكسب الدنيا لم ينفتح له غيرها، ولكنه يسلم في الآخرة باعتقاد أهل الحق، إذ لم يكلف الشرع أجلاف العرب أكثر من التصديق الجازم بظاهر هذه العقائد، فأما البحث والتفتيش وتكلف نظم الأدلة فلم يكلفوه أصلاً".
الصحابة صاروا (أجلاف العرب)، وهؤلاء الذين نعتهم بهذا النعت يبدو أنهم لا يختلفون عنده عن الترك والهنود، لأن ما أحد منهم تكلم بعقائد المنزهين العجيبة (لا داخل العالم ولا خارجه).