انتبه حتى لا تقع في العقلية الوسواسية...
انتبه حتى لا تقع في العقلية الوسواسية...
تجد كثيرا من الطيبين الذين يحاورون المخالفين خصوصاً ممن هو سوفسطائي كالملاحدة ومن قاربهم من أدعياء التنوير يقعون في أخطاء أثناء الحوار مع تكررها يتحول المبتديء منهم إلى عقلية وسواسية تطرح الإشكالات بشكل مستمر، وإن لم يوجد للإشكال وجاهة.
وباب السلامة من هذا الفخ يكون بتحقيق خمسة أمور:
الأول: مطالبة المخالف بالحجة على مذهبه، وعدم اعتبار كل شيء يقوله (شبهة) تستحق الجواب حتى يدلل عليها بأي دليل.
وكثير جداً من الشباب لا يفرقون بين الدعوى المجردة والشبهة، فمثلاً لو جاء إنسان وقال لا أؤمن بالحديث الفلاني فهذه دعوى مجردة لا ينبغي أن تقف عندها كثيراً، وأما إن قال لا أؤمن به لأنه يعارض العلم التجريبي مثلاً فهنا لا بد أن تطالبه بالأدلة على ما يقول، وأن تكون يقينية، لا أن تكتفي فقط بالدفاع، وتكلف نفسك على أن تجيب على بناء لم تكتمل أركانه أصلاً.
الثاني: استحضار أن المرء قد يضل بسبب الكبر، أو العجب، أو الشهوة، فليس كل ضال ضل بسبب غموض الحق، وهذا يفيدك ألا تحفل بسفسطات بعض الناس.
فقد لاحظت أن بعض الشباب يذكر للذي أمامه حججاً لا تدخل في الحصر، ويجيب له على شبهات كثيرة جداً، ثم ذاك الإنسان بعد كل هذا يرمي له بشبهة هو لا يحسن جوابها فتجد صاحبنا يضيق صدره جداً، ويظن أن هذا الإشكال هو سبب ضلال هذا الإنسان، وينسى تماماً أن هذا الإنسان تجاهل كل الحجج والبراهين التي مع صاحب الحق، وما هزه نهائياً انتقاض كثيراً من شبهه، وبيان أن جزءاً منها كذب وتدليس، وجزءاً سوء فهم.
السبب في مثل هذا أنه يغفل تماماً أن الذي أمامه قد يكون مستكبراً على الحق، فينبغي معه الموعظة لا تتبع إشكالاته إشكالاً إشكالاً، وهو لا يكلف نفسه أن يفعل ذلك مع حججك.
وهذا الكبر قد تكون له أسباب يحسن معالجتها، مثل ظنه أنه إذا اتبع الحق تنقص مكانته، أو يفقد مكاسب دنيوية.
وهذا يوعظ، ثم لا تشغل زمانك به.
وبعضهم ربما يكون مصاباً بالوسواس القهري.
الثالث: التركيز على ما معك من الحجج، وتردادها وتكرارها وطرحها على أنها إشكالات على المخالف، وليس الاكتفاء فقط بالنظر في إشكالاته.
الرابع: استحضار أنكم ما تحاورتم إلا وفيكم يقين على أن الحق موجود، ويمكن الوصول إليه، ولا يستوي المتواضع للحق مع من استكبر عليه، وأن للحق آثاراً على الخلق تزيده بياناً وبهاءً.
وذلك أن في زماننا ازدهرت جداً سفسطة تكافؤ الأدلة، فكل خلاف بين الناس يقولون (هو اختلاف وجهات نظر) بمعنى أن كل واحد يرى الحق من زاويته، ولا يمكن حسم الخلاف بينهم، بل لا يوجد حق وباطل.
هذه الفلسفة لا تظهر بصورتها الصرفة إلا عند أساطين المؤمنين بها، ولكن آثارها فاشية في الناس جداً على درجات متفاوتة في تأثر الناس بها.
ومن تلك الآثار بغض الاستعلاء بالحق، والخلط بينه وبين الكبر وسوء الخلق.
والفرق بيّن لمن أنار الله بصيرته. فالاستعلاء بالحق لا يعني عدم محبة الخير للناس، أو الاستكبار عليهم، وإنما يعني حمد الله على فضله مع الوجل من أن يسلب المرء هذه النعمة، فيسأل الله التوفيق، ويحط على الباطل تعظيماً للحق، لا تعظيماً لنفسه.
ومن تلك الآثار تسويتهم بين من أصاب الحق ومن كان على باطل، فيقولون لا فرق عاملهم معاملة واحدة، لأن الأمر وجهات نظر، وليس الأمر كذلك، فنعم أهل الباطل قد يكونون دركات تختلف معاملتهم بحسبها، ولكنهم لا يستوون مع أهل الحق بحال.
الخامس: استحضار الآخرة، وأن في ذلك الوقت سينال كل مستكبر وسوفسطائي جزاءه، فلا يوجد قانون في الدنيا يمكنه أن يعاقب كل مكابري الحجج في كل القضايا، مع أن فعلهم قبيح عند كل بني آدم، وتضيق به صدور، ولكن إن استحضرت الآخرة انشرحت الصدور.
وهذه حجة عظيمة تقولها لمن لا يؤمن بالآخرة: "أنا لو كنت مكابراً للحق فعلى مذهبي فهناك آخرة يعاقب فيها المكابر، ولكن على مذهبك ليس الأمر كذلك".
وهذا يعني أن الفطرة تتسق مع الإيمان بالساعة، لأن المكابرة ذنب عظيم في فطر عموم بني آدم، والعقاب عليه أمر مستحسن.
=