=
=
لا يهولنك قوله (عين التجسيم) فلفظ التجسيم عند هؤلاء يعني إثبات وجود حقيقي لله عز وجل في الخارج، فحقيقة قولهم أن رب العالمين وجوده ذهني.
والأجسام عندهم متماثلة، وهذه كلها مقدمات كلامية يردون بها ظواهر النصوص، وهي غير مسلمة البتة ولا تقاوم ظواهر الوحي.
ويحدثك عن أن الصحابة كانوا يسلمون ولا يخوضون ثم يقول (إن أثبت الصفات فذلك يستلزم التجسيم) فما هذا إلا الخوض؟
وقد قال السلف في نصوص الصفات: "أمروها كما جاءت بلا كيف" وأما هذا وأضرابه فشعارهم مروا عليها كأنها ما جاءت البتة)، فأنت حين تقول بأن معنى اليد القدرة؛ والوجه الذات؛ والضحك الثواب، فأنت تعاملت مع النصوص كأنها ما وردت بهذه الظواهر البتة، فالرحمة والذات والثواب كل ذلك ثابت في نصوص أخرى ولهذا لا فرق بين المسلك التفويضي والتأويلي من ناحية النتيجة، فهم ما أمروا النصوص كما جاءت، فالمفوض تعامل معها كأنها لم ترد أصلاً، والمحرف صنع الأمر نفسه ولكنه ردها إلى معاني نصوص أخرى أو معاني من عنده فجعلها بلا فائدة، بل لو لم يخاطب الله الخلق بها لكان أسلم لعقيدتهم تعالى الله عما يقولون.
فلفظ تجسيم وتشبيه عند هؤلاء مثل لفظ (ناصبي) عند الروافض، لا تخرج من النصب عند الرافضي بالثناء على علي والشهادة له بالجنة، بل لا بد من لعن الشيخين أو البراءة منهما، وكذلك هؤلاء لا تخرج من وسم التشبيه والتجسيم حتى تنفي دلالة النصوص الظاهرة وتعامل النصوص كأنها ما وردت.
قال الترمذي في جامعه: "وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه.
وقد ذكر الله عز وجل في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إن معنى اليد هاهنا القوة.
وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع، أو مثل سمع، فهذا التشبيه.
وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد، وسمع، وبصر، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمع، ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيها".
ولو كان السلف لا يثبتون شيئاً ما رماهم الجهمية بالتشبيه، وكلام إسحاق واضح في أن مفهوم التشبيه عند الجهمية فيه خلل.
وقد تندر بهذا الأدباء قال أبو سعد الإبي في نثر الدر: "قال بشر المريسي لأبي الْعَتَاهِيَة: لا تصلّ خلف إِمَام مَسْجِدكُمْ فَإِنَّهُ مُشبّه. قَالَ كلا، إِنَّه قَرَأَ بِنَا البارحة فِي الصَّلَاة "قل هُوَ الله أحد".
وروى الخطيب البغدادي في تاريخه بسند صحيح عن أبي جعفر الترمذي أنه سئل عن النزول فقال: "النزول معقول، والكيف مجهول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
وهذا عين الاعتقاد السلفي الذي ينتقده ميلود، وأبو جعفر الترمذي إمام شافعي متفق على جلالته وإمامته.
وحتى المروي عن مالك على اختلاف ألفاظه لا يخرج عما قاله أبو جعفر الترمذي، فقد روى اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بسند صحيح عن بشر بن عمر الزهراني أنه قال: "سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] قال: على العرش استوى: ارتفع".
وبشر هذا من تلاميذ الإمام مالك.
قال الخلال: "وأخبرنا أبو بكر المروذي قال سمعت أبا عبد اللَّه -يعني أحمد ابن حنبل- قيل له: أي شيء أذكر على بشر بن السري، وأي شيء كانت قصته بمكة؟
قال: تكلم بشيء من كلام الجهمية، فقال: إن قومًا يجسدون.
قيل له: التشبيه؟ فأومأ برأسه: نعم، فقال: فقام به مؤمل حتى جلس، فتكلم ابن عيينة في أمره حتى أخرج، وأراه صاحب كلام".
"بيان تلبيس الجهمية" 6/ 417 - 418
تأمل كلام هذا الرجل الذي حكم عليه أحمد بالتجهم وقارنه مع كلام ميلود تجد تطابقاً واضحاً.