وكم من كاسية من النعم عارية من الشكر
وكم من كاسية من النعم عارية من الشكر
قال أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي المتوفى عام ٤٠١ في كتابه الغريبين (٥/ ١٦٣٣):
"في الحديث: «ونساء كاسيات عاريات»، قال أبو بكر: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: كاسيات من نعم الله عاريات من الشكر.
والثاني: كاسيات يكشفن بعض جسدهم ويرسلن الخمُر من ورائهن فتنكشف صدورهن، فهن كاسيات عاريات إذا كان لا يستر لباسهن جميع أجسادهم.
والثالث: يلبسن ثيابًا رقاقًا تصف ما تحتها، فهن كاسيات في ظاهر الأمر عاريات في الحقيقة".
أقول: أبو بكر هنا هو ابن الأنباري الإمام السني الشهير من شيوخ الدارقطني وابن بطة ومترجم في الحنابلة، وتفسيره هذا اشتهر في الكتب المتأخرة دون الإحالة عليه، والله المستعان.
لفت نظري قوله "كاسيات من نعم الله عاريات من الشكر"، هذا التفسير لا يُناقِض التفاسير الأخرى، ولكنه بليغ غاية في شرح أحوالهن.
فكم من امرأة معدمة فقيرة لا تجد الكسوة ولا تجد الطعام ولا تجد العلاج إلا بسؤال هذا وذاك، وربما أعطوها وربما منعوها.
وتجد أخرى أنعم الله عليها بالمطعم والمشرب والمسكن والكسوة، فكان شكر هذه النعم أن تتبرج وتلبس الضيق وتظهر مفاتنها أمام الخلق، فهل هذا هو شكر النعمة؟
حتى إذا سُلِبت شيئًا من هذه النعم أو كدرت معيشتها أو شعرت بضيق أو كمد قالت: ماذا فعلت؟
فيقال لها: هذا تنبيه فقط، وإلا فما أنت عليه من الكسوة من النعم والعراء من الشكر أمر عظيم إن لم تتداركي نفسك. وهذا شامل لكل مُنعَم عليه ولكن الحديث هنا عن التبرج.
وفي حديث البخاري: "يا رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة".
وذلك أنها لمَّا تعرت من الشكر عريت في الآخرة، والله المستعان.
وصاحب كتاب الغريبين، أبي عبيد الهروي، كنت أحسبه من النفاة لمَّا نظرت في نقد محمد بن ناصر السلامي على كتابه، ولكن لمَّا نظرت في كتابه وجدته تلميذًا لأبي منصور الأزهري صاحب تهذيب اللغة وذاك من أهل الإثبات بالجملة.
وظهر أن تلميذه هذا مثله أو قريب منه، مع تأثُّرٍ ببعض كلام النفاة في الدقائق.
فمن نقله لكلام أهل الإثبات مقرًّا ما قاله:
"قال: وحدثني داود بن علي الأصبهاني قال: كنت عند ابن الأعرابي فأتاه رجل فقال: ما معنى قوله: {الرحمن على العرش استوى} فقال ابن الأعرابي: هو على عرشه كما أخبر، فقال: يا أبا عبد الله إنما هو استولى، فقال ابن الأعرابي: ما يدريك، العرب لا تقول استولى على الشيء حتى يكون له مضاد، فأيهما غلب فقد استولى، أما سمعت قول النابغة:
إلا لمثلك أو من أنت سابقه .... سبق الجواد إذا استولى على الأمد
وسئل مالك بن أنس -رحمه الله- عن قوله: (استوى) كيف استوى، قال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة".
وقوله أيضًا: "وفي الحديث: «لأحرقت سبحات وجهه جل جلاله» أي نور وجهه".