كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= وهذا يُذكرني بكلام القرطبي حيث قال: "أظهر الأقوال؛ وإن كنت لا أقول به ولا أختاره؛ ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخيار: أن الله (سبحانه) على عرشه كما أخبر في كتابه، بلا كيف، بائن من جميع خلقه. هذا جملة مذهب السلف الصالح". اهـ فاعترف بأن قومه شاذون عن مذهب السلف، ولكن بقي أمر وهو أن السلف حكموا على مذهب متأخري الأشعرية في العلو بأنه تجهم وكفر. وهذان النقلان يُبدِّدان أسطورة السواد الأعظم كما بدَّدناها مرارًا، فهم معترفون أن عقيدتهم ليست عقيدة العوام في كل عصر، وظهر لك أنها ليست عقيدة الفقهاء المتبوعين ولا أهل الحديث، بل ولا عامة السلف، ولو كان القرطبي يعرف أن مالكًا أشعري العقيدة كما قال بعضهم أكان سيقول هذا القول! وإن كان مالك حقًّا يوافقهم هل كان سيتجرأ مالكية مشاهير مثل ابن أبي زيد وابن عبد البر والطلمنكي وابن رشد وغيرهم كثير على مخالفة عقيدتهم والتصريح بذمِّها (هنا تحكيمُهم لطريقتهم في الاحتكام للمشاهير). والعجيب أن دار الإفتاء هذه حين عَدَّت علماء الأشعرية في الحديث بدأت بالبيهقي المتوفى في القرن الخامس الهجري، مع كوْن البيهقي على غير عقيدتهم، فهو يثبت العلوَّ وكثيرًا من الصفات الخبرية على طريقة الكلابية، لذا يقول عنه حسن السقاف أنه مجسم، ومع كونه أيضًا روى عقائد للسلف تُناقض كلامهم وتُصرِّح بإثباتِ الصفات والقولِ بأن الإيمان قول وعمل. ولكن إذا كُنتُم تفخرون برواية البيهقي للحديث بإسناده وقد مات في القرن الخامس، فأصحاب المصنفات الحديثية قبل البيهقي والذين إن عددناهم بحسب المطبوع بين أيدينا فسيبلغون قرابة المائة نفسٍ وربما أكثر، هذا غير أصحاب الكتب المفقودة، وغير الأئمة الذين لا مصنفات لهم، وعامتهم على غير عقيدتكم. ولا أدَلَّ على ذلك من قول البخاري فيما رواه عنه وراقه أبو جعفر في «شمائل البخاري» عندما قال: سمعته قبل موته بشهر يقول -يعني البخاري- : كتبت عن ألفٍ وثمانين رجلًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قولٌ وعمل، يزيد وينقص. (انظر سير أعلام النبلاء 12/395) فألفُ شيخٍ للبخاري على غير عقيدة دار الإفتاء الأردنية ثم يشبِّهون الطاعن في عقيدتهم بإسلام البحيري! قال الآمدي الأشعري في كتابه غاية المرام ص311 : "وبهذا أيضًا يتبين فساد قول الحشوية أن الإيمان التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان"! فمَن الشبيهُ بإسلام البحيري؟ مَن هو على اعتقاد البخاري وشيوخه وعامة أهل الحديث، أم من يصفهم بـ(الحشوية)؟ ومعتمد مذهب الحنابلة التكفير بهذه المقالة التي تنسبها إليهم دار الإفتاء (وهذا غاية في الإسفاف). جاء في شرح الزركشي على مختصر الخرقي: "واعلم أن المُظهر للبدعة، المناظر عليها، (تارة) تكفره، كالقائل بخلق القرآن، أو بأن علم الله مخلوق، أو بأنه لا يرى في الآخرة، أو بأن الإيمان مجرد الاعتقاد من غير قول ولا عمل، أو يسب الصحابة تدينًا، ونحو ذلك، نص أحمد على ذلك". تأمل قوله وهو يُعدد البدع المكفرة (الإيمان مجرد اعتقاد من غير قول ولا عمل). وهذا ما اعتمده البهوتي، وهذا أمر لا يُسكت عليه إذ ينسبون لمذهبنا قولًا نكفِّر به، غير أن كثيرًا من أدعياء التمذهب في زماننا متملقون متأكلون باسم المذهب أو يعرضون المذهب على قيم الحداثة أو الحركية، فما وافق قبلوه وإلا اطَّرحوه أو هوَّنوا من شأنه.