مضامين الرسالة في القضايا الكبرى ( برهان النبوة الأعظم )
مضامين الرسالة في القضايا الكبرى ( برهان النبوة الأعظم )
قال تعالى : ( أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون)
الآية الأولى في نفي الجنون عن النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت نبوته ثم التي بعدها في الحث على التفكر بملكوت السماوات والأرض فما علاقة الأمرين ببعضهما البعض ؟
الخطأ المنهجي الذي يقع فيه كثيرون في بحث موضوع النبوة بحثاً مستقلاً تماماً عن بحث الإلهيات والواقع أن برهان النبوة الأعظم هو مضمون الرسالة في القضايا الكبرى وهذا الإعجاز الأعظم ( إن صح التعبير بالمعجزة )
فالتفكر في ملكوت السماوات والأرض يدفع صاحبه دفعاً إلى الإيمان بخالق وأن ذلك ما وجد إلا لعلم وحكمة
وتأمل قوله سبحانه ( وما خلق الله من شيء ) وما فيه من الدلالة على أن أي شيء في الكون يدل على وجود الخالق دلالة مستقلة خلافاً لمن يظن أن الخالق يثبت وجوده فحسب بإثبات حدوث العالم برمته جملة بطريقة فيزيائية حديثة عن طريق بعض النظريات
فكل مولود تراه تعلم يقيناً أنه لا بد له من والد لأن حدوثه بهذه الهيئة لا يكون إلا من مسبب لذلك فهو لم يلد نفسه فهذا مستحيل لذاته ولا يمكن أن يكون جاء بلا شيء والعدم لا يفعل ثم والده نكتشف أنه مولود أيضاً وهكذا نتسلسل حتى نصل إلى الصمد الذي لم يلد ولم يولد لأن تسلسل الفاعلين إلى ما لا بداية مستحيل لأنه يقتضي عدم وجود الولد ونحن نراه أمامنا ( بمعنى أنه إذا كان ميلادك متوقفاً على ميلاد آخر والآخر على آخر وهكذا إلى ما لا بداية فلن توجد )
هذا هو القدر الأدنى الذي يثبت معه إثبات الخالق غير أن التفكر في السماوات والأرض يزيد المرء يقيناً بآثار أسماء الله وصفاته من علمه وقدرته وحكمته ويؤكد على غائية هذا الوجود وأنه ما وجد عبثاً وأننا مجزيون بالخير والشر وأنه سبحانه المستحق وحده للعبادة لأنه لا نظير له فكل شيء مربوب مخلوق وهو الرب الخالق
وهذه المعاني الثلاثة أن الله لا نظير له ولا شبيه ولا يلحقه نقص ( المعنى الذي خالف فيه اليهود والنصارى )
وأنه سبحانه المستحق وحده للعبادة أنه خالق كل شيء وبكل شيء عليم وما من كمال في خلقه إلا هو مانحه ( وهذا خالف فيه عباد الأوثان )
وأن لنا دار أخرى نجزى بها بالخير والشر وأن لنا غاية خلقنا لأجلها ( وهذه خالف فيها الملاحدة والوثنيون وأضرابهم )
هذه المعاني الثلاثة انفرد بها الإسلام ولا أحد يتفكر في خلق الله إلا ويجدها على هذه المعاني الثلاثة بأوجه كثيرة لا تنحصر فإذا علم ذلك عرف أن من حكمة الله عز وجل ألا يضع هذه المعاني العظيمة على لسان كذاب أو مجنون ويخالفها عموم الناس فيعلم من مجموع ذلك أنه رسول لله عز وجل ولهذا جاء ذكر التفكر في ملكوت السماوات والأرض بعد نفي الجنون عن النبي صلى الله عليه وسلم وأن واقع كلام المشركين هو الأبعد عن العقل والأشبه بالجنون وهذه المعاني إذا تقررت لم تعد الشبهات الفرعية تؤثر كثيراً في القلب
لهذا صحة الاعتقاد الإسلامي في الإلهيات تدل عليه البراهين القطعية العظيمة وذلك يدل ضرورة على صحة النبوة وذلك من أظهر أوجه إعجاز القرآن في إقامته الحجة في هذه المطالب والتدليل عليه بأقرب طريق يفهمه كل متفكر منصف ويذعن له