كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

المقصود هنا المعاقون، وهذه الممارسة ليست اعتباطية بل لها علاقة بما يسمى الداروين

المصدر
المقصود هنا المعاقون، وهذه الممارسة ليست اعتباطية بل لها علاقة بما يسمى الداروينية الاجتماعية، وكان مُنظِّرها الأكبر الفيلسوف البريطاني هربرت سبنسر. جاء في كتاب تاريخ الفلسفة الحديثة ليوسف كرم ص٣٦٤: "ولقد عالج سبنسر مسألة الإحسان، وبخاصة الإحسان المنظم من الدولة، فكان موقفه فيها موقف الأنانية القاسية، قال: «إن الإحسان معارض للقانون الطبيعي الذي يقضي ببقاء الأصلح، ومؤدٍّ إلى انحطاط النوع الإنساني بالتدريج، إذ إنه يعارض على تكاثر أقل الأفراد مواهب على حساب أكثرهم مواهب، وإن الفريق النشيط من الأهلين يدفع جزية ثقيلة لفريق عديم النفع هم الشيوخ والمرضى والمجانين، وإن تقدم الأقوياء وسقوط الضعفاء نتيجة ضرورية لقانون كل مستنير نافع، وإن الدولة إذ تحاول وقف هذا القانون الحكيم بدافع من حب للإنسانية زائف، تزيد في مقدار الألم بدل أن تنقص منه». هذا كلام قاسٍ يتضح منه جليا أن سبنسر لا ينظر إلى الإنسان إلا كما ننظر إلى الحيوان، ولا يفهم من الغيرية إلا أنها تبادل المنفعة. ويزيد في قسوته أن كثيرين من "الضعفاء" هم ضحايا لفساد المجتمع، فهم مظلومون يتعين على المجتمع تخفيف الظلم عنهم. وما قيمة "الجزية" بالقياس إلى ازدياد الغيرية الحقة التي يراها سبنسر غاية التطور الإنساني، وبالقياس إلى احترام الكرامة الإنسانية في هؤلاء الضعفاء، وهذا الاحترام كسب خلقي من غير شك، ولكن المذهب المادي لا يعرف الخلقية، وسبنسر ينطق عنه بأفصح بيان. وقد بذل مجهودًا عظيمًا في شرحه وتأييده". ولا يمكن لأي علموي أن يدين كلام سبنسر هذا لأنه مبني على أصول القوم، ولهذا يقول دوكنز: "الداروينية الاجتماعية لا أطيقها". ولكن الأمر ليس عائدًا لإطاقتك، هي مبرهنة عندك، ودارون لم يكن بعيدًا عن هذه النظرة، وهو أصلا استفاد من مالتوس نظرة مقاربة. قارن هذا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "ابغوني الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم". نعم، سيتكلم البعض عن وجود ضرورة، والترجيح بين الناس بحسب الضرورة، ولكن إن كان الدواء لا يكفي للجميع فتلك كارثة، وما فائدة التغني بالتقدم ورحلات الفضاء ونظافة الشوارع إن كان الغذاء والدواء ليس متوفرًا بشكل أساسي! القصة داروينية اجتماعية لا أكثر ولا أقل، ويوجد ملايين حول العالم لا يساعدون الضعفاء اقتناعًا بهذه الفلسفة، ثم يحدثونك عن النصوص الدينية التي تؤدي إلى مفاسد في زعمهم!