كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الظاهرة التي نسميها اليوم جلد الذات تجلت في الكثير من المثقفين في عصر ما بعد الا

المصدر
الظاهرة التي نسميها اليوم جلد الذات تجلت في الكثير من المثقفين في عصر ما بعد الاستعمار وقل أن تجد من نقدها في بداياتها وكنت قد وقفت على كلام للأستاذ محمود شاكر في جمهرة مقالاته ينقد هذا الأمر في أشعار حافظ إبراهيم وأحمد شوقي قال الأستاذ محمود رحمه الله في جمهرة مقالاته (2/886) :" كان في حافظ عيب آخر ضلله وزاغ به عن طريق الحق، ووقع به دون الاهتداء إلى النهج الذي يكون به الشاعر صاحب شعر وطنى أو قومى، فقد كان إنسانًا مذعور القلب في غير ذعر، قليل الحمل للمشقة وتكاليفها، كثير الشكوى والتبرم من أهون شيء، فكان إذا جاءه شعر فيه شيء يخشى أن يؤخذ عليه، آثر السلامة فطواه وأبى أن ينشره، كما روى ذلك أكثر الذين عاصروه وصاحبوه، ولما نشر هذا الشعر بعد وفاته كان أفرغ من أن يخافه إنسان من عامة الناس فضلا عن شاعر من خاصة المجاهدين! ثم إن هذا الذعر في غير ذعر كان يحمله على اختيار مناسبات يقول فيها شعرًا تبرأ الوطنية منه، ولا يقوله إلا شاعر متكسب أو خائف أو مقتول إن سكت، كان يقوله وهو يعلم كما يعلم أنه لن يأتيه بخير كثير ولا قليل، ففيم كان عناؤه وكده ذهنه إذن؟ فأي شاعر اهتدى إلى الحق يخطر على باله أن تموت ملكة بريطانيا التي كان زمنها بلاء مصبوبًا على بلاده، فإذا هو يرثيها ويعزى قومها الذين غزوا بلاده وساموها الخسف، وأي خسف؟ هو الخسف الذي شهده حافظ بعينيه وأبصره بباصرتيه! ونشر هذا الرثاء الغث في يناير سنة 1901، والذي لن يسمعه أحد إلا قومه المساكين، وهو كان يعلم ذلك حق العلم، ولذلك يقول في أولها: "أعزى القوم لو سمعوا عزائي" ولو سمعوا عزاءك لفعلوا ماذا أيها الشاعر الرقيق القلب؟ ثم لما ماتت ملكة بريطانيا التي تعرف في تاريخهم باسم فكتوريا، ولى المُلْك بعدها في يناير سنة 1901 إدوارد السابع، فإذا الشاعر المصري ينبري بعد أكثر من عام فينشر في أغسطس سنة 1902، يهنئ ملك الغزاة البريطانيين بتتويجه بقصيدة مطلعها لمحتُ من مصرَ ذاكَ التاجَ والقمرَا ... فقلتُ للشعر هذا اليوم من شعرَا يا دولةً فوق أعلامٍ لها أسدٌ ... تَخْشَى بوادرَهُ الدُّنيا إذا زأرَا في كلام كثير هو على غثاثته مدخول مرذول، فأي رجل هذا الذي يقول لأبناء أمته إن الدولة المحتلة لبلادكم دولة ذات بأس تخشاه الدنيا؟ وأي تثبيط هذا؟ وما الذي دفع هذا الرجل إلى أن يقول ما قال ثم يشفعه بما هو أرذل منه وأشد تثبيطًا، إذ يقول لبريطانيا: منْ ذا يُنَاوِيكِ والأقدارُ جاريةٌ ... بما تشائين، والدُّنيا لمن قهرَا إذا ابتسمتِ لنا، فالدهرُ مبتسمٌ ... وإن كشرتِ لنا عن نابِهِ كشرَا ألستَ خليقًا أن تقول كما قال القائل الأول: "لا والله لا يخرج هذا الكلام من قلب سليم أبدًا"؟ ثم ندع شيئًا كثيرًا من أمثال هذا وننظر، فإذا يوم "مشئوم" آخر في تاريخ مصر يفجع الشعب المصري كله، وتتسامع به الدنيا وتقشعر له الأبدان، حتى أبدان الإنجليز أنفسهم، لشناعته وشناعة آثاره، هو يوم دنشواى الذي لم يشهد العالم يومًا أفظع منه وحشية ولا اعتداء على الإنسانية. وكانت هذه الحادثة خليقة أن تنشيء رجلا لم يقل الشعر قط فيكون شاعرًا يملأ رحاب الدنيا تفجعًا ونداء وتحريضًا على تقويض دعائم البغي والطغيان، أما إذا كان الرجل شاعرًا وطنيًا، فكانت حقيقة بأن تبعثه بعثا جديدًا فيجرِّد شعره للحرية والجهاد والمصابرة على البأساءِ والضراء، حتى يوقظ نيام قومه من غَفَلاتهم، وينفض المخاوف عن قلوبهم، ويجيش هممهم للصِّراع الذي لا تنطفيء له جمرة أو تنطفيء جذوة الحياة في أبدانهم، ولقد وقعت هذه الكارثة في 13 يونية 1906، وحافظ يومئذ في الخامسة والثلاثين من عمره، أي في فَوْرة الشباب والعزم والقوة، ودوى صوت مصطفى كامل كأنه الرعود القاصفة في السحاب العرَّاض في الليلة المظلمة، فماذا كان من أمر هذا الفتى الشاعر الوطني؟ إنه استفتح قصيدته بهذه الكلمات الرقيقة وبهذه السخرية اللطيفة التي يقول فيها (2: 20): أيها القائمون بالأمر فينا ... هل نسيتمْ ولاءَنَا والودادَا ثم لا تنس أنه يخاطب الإنجليز ويذكر لهم ولاء مصر وودادها! ! خفّضوا جيشكُمْ وناموا هنيئًا ... وابتغوا صيدكُمْ وجوبوا البلادَا وإذا أعوزتكُمْ ذاتُ طوقٍ ... بين تلك الرُّبَى، فصيدوا العبادَاا إنما نحنُ والحمامُ سواءُ ... لم تغادر أطواقنا الأجيادَا ثم يطلب من الطغاة إحسان القتل إذا ضنُّوا بالعفو، وأنه لا يليق بالقوى أن يتشفى من ضعيف أسلم إليه قياده، ثم يقول: إنّ عشرين حجّةً بعد خمسٍ ... عَلمتنا السكون مهما تمادَى! =